اضغط هنا

اضغط هنا

"الموقعون بالدماء" تؤكد أن "جهاديين" من دول غربية يشاركون في احتجاز الرهائن بالجزائر   عاجل..كتيبة "الموقعون بالدماء" تشترط وقف الهجوم الفرنسي على أزواد مقابل سلامة المحتجزين في الجزائر   ولد بوعمامه "لونا": مرتاحون لموقف علماء موريتانيا   "الموقعون بالدماء" لـ"ونا": نحذر الجزائر من مغبة محاولة تحرير المحتجزين   مالي: بدء المعارك البرية المباشرة بين القوات الفرنسية والإسلاميين   "جماعة الملثمين" تعلن احتجاز 41 رهينة غربيا في الجزائر   "25 فبراير" تبث تسجيلا منسوبا للسفيرة الأمريكية في نواكشوط تهاجم فيه المعارضة الموريتانية   عمال "شنكر موريتانيا" يدخلون في إضراب عن العمل   تقارير: موريتانيا تسلمت 200 مليون دولار من ليبيا بعد تسليم السنوسي   عاجل: كتيبة الملثمين تتبنى احتجاز خمسة غربييين في الجزائر  
البحث

الجريدة
الموقع القديم
تــقـــاريـــر

رحلة في أزواد ما بعد الهروب المالي: تنبكتو"جوهرة الصحراء" الخارجة على القانون (الحلقة2)

اضغط لصورة أكبر
في باحة مستشفى تمبكتو الجهوي

تنبكتو ـ محمد محمود أبو المعالي
كان فندق "La Maison" وسط مدينة تمكبتو والذي يقع في قبضة "أنصار الدين" المأوى الذي ركنا إليه في المدينة بعد ثلاثة أيام من السفر الشاق، من نواكشوط إلى تنبكتو، عبرنا خلالها الحواضر والبراري، وتقاذفتنا مدن وقرى ظاهرة قدرلنا فيها السير أياما وليالي، على أمل أن نصل سالمين إلى حاضرة "أحمد باب التنبوكتي"، التي طالما تغنى بها كتبة التاريخ وسدنة التراث باعتبارها حاضنة الإسلام في الغرب الإفريقي، ومرسى قوافل الملح القادمة من "تاودني".

كانت صور شتى للمدينة تتراقص في مخيلتي، وأسئلة حائرة عنها تتزاحم أمامي، تلك المدينة التي قدر لها فالق الحب والنوى، أن تكون ذات يوم مضرب مثل للنأي والنوى، ونسجت حولها روايات كثيرة، ليس أقلها غرابة قصة نشأتها وتسميتها، حيث يقول السكان إن أول من أقام بتلك الصحراء القاحلة، عجوز تدعى "بكتو"، مكثت هناك ما شاء لها الله، ونسبت إليها أول بئر (تن) حفرت بتلك البلاد، فأصبح المكان يعرف باسم تنبكتو، وهي ترجمة أمازيغية لكلمة "بئر بكتو".
طلب منا المسؤول الأمني لأنصار الدين في المدينة أن نأخذ قسطا من الراحة أولا، قبل الحديث في مهمتنا الصحفية، شارحا لنا أن لا قيود علينا، فلنا أن نتنقل متى وكيف شيئنا إلى أمكان سيطرة الحركة الوطنية لتحرير أزواد في مطار المدينة، أو السوق المركزي، أو سائر أحياء المدينة، وزودنا برقم هاتفه، طالبا منا الاتصال به دون تردد إذا ما واجهتنا مشكلة في أداء مهمتنا، وهو اتصال جربناه لاحقا، فكان الفتى عند قوله.
بعد برهة استراحة، أعطينا المسؤول الأمني ـ كما طلب منا ـ قائمة بالمواضيع التي نود إجراء تحقيقات وتقارير صحفية عنها في المدينة، من أجل عرضها على اللجنة الإعلامية للحركة أنصار الدين في المدينة، وفعلا لم يتأخر الرد كثيرا، فقد أبلغنا بالموافقة على ما تقدمنا به من اقتراحات، باستثناء موضوع واحد قال بلباقة إنه مؤجل، وهو تأجيل لم نكن نحتاج فهم اللبيب لكي ندرك أنه رفض بأسلوب مهذب، لذلك لم نسأل عن نهاية التأجيل ولا أسبابه، وآثرنا صرف النظر عنه، ففي المواضيع الأخرى ما يشبع بعض النهم الصحفي الذي طوح بنا في مهاوي الخطر، وساقنا إلى تلك البلاد آملين أن نكشف للعالم جوانب من حقيقة "أرض أزواد" التي تئن منذ عقود تحت وطأة الإهمال والنسيان، وتتخبط في حوالك التخلف والظلم والجهل والضياع..
مركز أحمد بابا.. مغلق حتى إشعار آخر
سمح لنا المسؤول الأمني بالتحرك في المدينة دون مرافق أو مراقب، وهو ما مكننا من لقاء السكان بعفوية، والتنقل بين أحياء المدينة بحرية، وفي إحدى المرات اضطررنا لاستدعاء المسؤول الأمني عندما أبلغنا حارس "مركز أحمد باب التنبوكتي" بعدم السماح لنا بالتصوير داخل مكتبة المركز وقاعاته، معللا ذلك بعدم حصولنا على إذن تصوير من مدير المركز الموجود في بامكو فهو الوحيد ـ حسب قوله ـ من يحق له منحنا فرصة الدخول إلى ذلك الكنز الثقافي، طلبنا من "خبيب" التدخل فحضر على الفور، لكنه أبلغنا أن مهمتهم كمجاهدين هي صيانة الموجود والحفاظ عليه وتأمينه، ولا يتدخلون في ما وراء ذلك، وليس من شأنهم إرغام الحارس على ما لا يريد.
أحس الحارس بنشوة النصر علينا، لأن القوم لا يريدون كسر إرادته أو إجباره على ما لا يروق له، سألت الحارس على انفراد، ألا تخشى من هؤلاء الذين طردوا الجيش المالي من المدينة ويحكمون سيطرتهم عليها، أن ينتزعوا منك المفاتيح ويطردوك أو يقتلوك، رد قائلا: إن طلبوا مني المفاتيح سأسلمها لهم، لكنهم لا يريدونها.
يومان من النهب والسلب
خلال جولتنا في المدينة لاحظنا أن ثلثي سكانها تقريبا قد هجروها إلى مالي والجزائر وموريتانيا، وكثير منهم تاهوا في الصحراء، وكثير حق عليه البقاء عجزا عن الرحيل أو تشبثا بالديار، فجلسوا في بيوتهم يترقبون المجهول.
كان الناس يتحدثون بكل حرقة واستياء عن يومين مخيفين من الفوضى العارمة والسلب والنهب عاشتهما المدينة إثر مغادرة الجيش المالي لها على عجل، لكن وصول طلائع قوات حركة أنصار الدين أعاد للمدينة هدوءها ـ كما يقول أحد تجار السوق ـ فقد أوقفوا عمليات النهب والسلب واستعاد بعض السكان ممتلكات غصبت أو سرقت منهم في تلك الفوضى العارمة، وكانت المرافق العمومية أكبر متضرر، كما تعرض مقر القيادة العسكرية في المدينة والبنوك الفرعية فيها لعمليات نهب منظمة ومحمية، ويقول أحد السكان إن من نهبوها معرفون، فهم من زعموا تحركهم لحماية المدينة من أول يوم، لكنهم كانوا كما يقال "حاميها حراميها"، واليوم يلمم السكان ما تبقى من شتات مدينتهم وسط حيرة في المستقبل الغامض.
بسط "المجاهدون" ـ كا يفضلون أن يسموا ، سيطرتهم على المدينة، ووجهوا رسائل تطمين للسكان، ووزعوا أرقام هواتف للنجدة، للاتصال بهم في أ ي وقت، وعادت للشوارع حركتها وللسوق بضائعها.
حين تتحدث إلى أي من السكان يؤكد لك أن الأمن مستتب والوضع الحالي مريح، والبعض مرتاح لغياب مظاهر وصفها بالانحلال والفجور، كانت تلك المدينة ذات التاريخ العلمي والحضاري ترزح تحت وطأة صخبها ليلا، من السهر والسمر.. والمعاقرة والليالي الحمر، فأهرقت المعتقة وكسرت الكأس، فلم تعد تدور مع الساقي مجراها اليمين، وأغلقت الحانات وعطلت الملاهي، وصودرت بعض صحون البث، وتغيرت أمور كثيرة هناك.
خائفون.. خائفون
في تمبكتو رغم حديث الناس عن بسط الأمن إلا أن الجميع خائفون.. نعم خائفون ـ يقول أحدهم ـ وينظر إلى السماء، لأننا نتوقع القصف في أي لحظة، فالسلفيون الذين سيطروا على المدينة يحاربهم العالم بأسره،
وللقصف مع هذه المنطقة حكايات مؤلمة، نعم خائفون ، ويشير إلى السوق، لأن التموين آخذ في النفاد، ودول الجوار أحكمت سيطرتها على الحدود، "ومنعت رزق الله عن عباد الله".. خائفون، لأن المدارس أغلقت ومستقبل تعليم أبنائهم معرض للضياع.. خائفون لأن المستشفى يعيش على فتاة صدقات منظمة غير حكومية.. قد يجف نوالها ويخف عطاؤه فيموت الناس مرضا وسقما، إن لم يقتلهم القصف أو يهلكهم الجوع..
خائفون لأننا لا ندري أي مستقبل ينتظرنا، ألئك يريدون دولة مستقلة، وهؤلاء يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية، والعالم يريدنا ماليين وماليين فقط.
سألناه عن رأيه في احتمال عودة مالي للسيطرة على أزواد مرة أخرى، فقال ما معناه "تلك أمة قد خلت.. لقد فرطت مالي في أزواد حين تركته نهبا للتخلف وتجارة المخدرات والمليشيات على مدى عقود طويلة، وأعرضت عن تنميته، وتخلت عن بسط الأمن فيه، واليوم رحل الماليون عن أزواد فما بكت عليهم السماء والأرض.. لقد رحلوا.. بل هربوا، ولم يسألوا حتى عن أشياعهم الذين ساندوهم وآزرهم ضد بني قومهم وأهلهم، ثم يتحدثون عن العودة ثانية إلى أزواد..، هيهات ثم هيهات.. لقد فرطوا فيه وهم يحكمونه عن قرب.. واليوم أنى لهم التناوش من مكان بعيد".
المستشفى.. جانب من المعانة
كانت بداية جولتنا في مدينة تنبكتو بزيارة المستشفى الجهوي الذي ولجنا إليه من بوابة الحالات المستعجلة، ربما لأن المدينة برمتها تعيش حالة مستعجلة، وحالة المستشفى تتطلب التصنيف أيضا كحالة مستعجلة، عند دخولنا ردهات المستشفى كان أول ما صادفناه ممرضة في عقدها الرابع، ابتسمت في وجوهنا، وأخبرتنا أن معظم ألأطباء والعاملين غادروا المستشفى، إلا القلة القليلة، ثم طلبت من أحدهم استدعاء الطبيب الوحيد في المستشفى للحديث إلينا، فحضر على الفور من مكتبه، وهو يتطلع لأن ينقل للعالم ـ عبرنا ـ مأساة ذلك المستشفى ومعاناة نزلائه.
تحدثت تلك الممرضة والدموع تنهمر من عينيها، قالت "الجميع غادروا.. أهلي وزوجي وإخوتي.. كلهم تركوا تنبكتو، أما أنا فرضت المغادرة، فهذه مدينتي وهذا المستشفى مقر عملي، رغم أنني لا أتقاضى راتبي منذ شهرين، لكن لن أبرح هذه الأرض حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا".
أما الطبيب فقد تحدث عن معاناتهم كطاقم طبي محدود العدد والعدة، ليس معهم جراح ولا مختص، ويواجهون يوميا حالات تتطلب تدخلا جراحيا سريعا، وقال إن الكثير من المرضى هربوا من المستشفى خوفا قبل أن يكملوا العلاج، وآخرون أقعدهم الجهد والمرض، ومن استطاع إلى الرحيل سبيلا غادر دون تمهل.
مسؤول المنظمة غير الحكومية التي ترعى المستشفى، استعرض أمامنا كميات من الأدوية تمكنت منظمته من إحضارها، لكنه تحدث عن عجز كبير في الطاقم الطبي، وعدم توفر أنواع أخرى من الأدوية، تحدث بحسرة عن مستقبل أصحاب الأمراض المزمنة كالسل والسكري والسيدا، وغيرها من الأمراض التي تتطلب علاجا مستمرا، وقال إن المصابين بهذه الأمراض من الذين كانوا يتلقون العلاج في المستشفى يواجهون اليوم خطر الموت بعد أن انقطعت عنهم تلك الأدوية.
في أحد غرف المستشفى ترقد فتاة في السابعة عشرة من عمرها، حديثة عهد بالولادة وبين يديها مولود في يومه الثاني، تقول أمها التي تبدوا عليها أمارات البؤس وشظف العيش، إن وضع ابنتهم الصحي المتدهور جاء بهم من البدو الذي ألفوه فيما مضى من أعمارهم، ولم يعرف التمدن إلى حياتهم طريقا، وتضيف: "لقد تلقينا العلاج المناسب، واخبروني بأن بعض ما تحتاجه ابنتني غير متوفر، لكنها رغم ذلك تتحسن وتتلقى العلاج مجانا لله الحمد"، وهناك في بهو أحد قطاعات المستشفى، يوجد رجل أجرى عملية جراحية في رجله، تحدث هو الآخر عن بذل الأطباء جهودا مضنية لإنقاذ حياته، شاكرا لله ثم لهم ذلك.
أنهينا جولة سريعة في المستشفى وعيون النزلاء تلاحقنا لعل في كاميرتنا أو أقلامنا منفذا لنقل معاناتهم إلى الآخرين، لنجدتهم وإغاثتهم،.. أناس بسطاء لا شأن لهم بمن يحكم أزواد أو يتركه، إنما يريدون الغذاء والدواء والأمن والأمان، وبعد ذلك فلتكن الراية سوداء أو بيضاء أو قزحية الألوان، فتلك أشكال وألوان، يقولون إنها لا تطعم جائعا ولا تسقى عطشانا، ولا تبرئ مريضا، ولا تؤمن خائفا، هكذا يختصر البسطاء في تنبكتو طموحاتهم الآنية، وآمالاهم اللحظية، وآلامهم المبرحة، يردون علاج الوجع الحالي، ولقمة عيش هذا المساء، أما الغد فيفعل الله فيه ما يشاء.
غادرنا المستشفى إلى وجهة أخرى من "مدينة العجائب"، مدينة التاريخ العتيق والحاضر...
ـ يتواصل ـ

تاريخ الإضافة: 2012-05-20 09:21:44 القراءة رقم : 4835
 الصفحة الرئيسية
 الأخبار
 قضايا و آراء
 تقارير
 مقابلات
 من نحن؟
 مابسي
 روابط
 اتصل بنا
 خارطة الموقع
 البريد الألكتروني
 الموقع القديم

عدد الزوار:58263059 جميع الحقوق محفوظة مابسي © 2009