اضغط هنا

اضغط هنا

تواصل يصف اعتقال بعض قيادات المعارضة في لبراكنة بالعمل الاستبدادي   مديرة الاعلام في حزب التكتل: "ولد عبد العزيز في كل خطاب يكذب كذبة ويتضح زيفها"   شكاوي من تلويث محطة الترشيح لآفطوط الساحلي للبيئة ومنع القرويين من مياه الشرب   رئيس الجمهورية يتعهد لأطباء الأسنان العاطلين عن العمل بتسوية أوضاعهم   رئيسة المكتب الجديد للعمال غير الدائمين تنفي قيام المكتب بأي اعتصام أمام الوزارة الأولى   الاتحاد العام يندد بمنع الطلاب من التصويت في الانتخابات الطلابية بالمغرب   في الاك:مناشير وكتابات على الجدران تدعو لرحيل النظام   شركات امنية تعلن دعمها لقرار التجميع   لبابة بنت الميداح وعماد يطلقان أبرايت للسيرة النبوية مخصصة للأطفال   في انواذيبو: المعلمون ينتقدون الوضعية الهشة للتعليم  
البحث

الجريدة
الموقع القديم
الأخبار

تيشيت إيقونة المدن التاريخية، اليوم تستصرخ فهل هل من مغيث؟؟؟...

اضغط لصورة أكبر
مدينة تيشيت

تحقيق: ماموني ولد مختار

 شكلت مدينة تيشيت، لعدة قرون واسطة العقد بين مدن القوافل في الصحراء الموريتانية التاريخية الممتدة شمالا من ودان إلي ولاته جنوب شرق البلاد، مرورا بتنيكي (التي اندثرت) وبشنقيط  قبل تيشيت، التي ازدهرت فيها التجارة والعلم وشكلت قبلة لطلاب العلم والمال في الشمال الإفريقي وكانت منطقة تبادل بين القوافل القادمة من المغرب وتلك القادمة من السودان.

 وقد أسس مدينة تيشيت، احد مشاهير تلامذة القاضي عياض المراكشي وهو الشريف عبد المؤمن، عام 536 هجرية، الذي بدأ ببناء المسجد ثم دار مسكنه، تأسيا برسول الله (ص)، وتثبت الأبحاث أن الشريف عبد المومن، قد حباه الله بخصال حميدة، قل ان تجتمع في شخص واحد، فقد عرف عنه الورع والعلم والعمل والزهد والبساطة وحب الناس وحرصه علي التأكيد لتلامذته ولسكان مدينته الجديدة، أن لا فضل إلا بالتقوى وهذه الخصال، كان لها الفضل بعد الله في ازدهار تيشيت وكونها جذابة لكل من يمر بها، مما جعل سكانها يتشكلون في الأصل من موزايك من أعراق وأمصار شتي صهرتهم الحضارة التيشيتة في مجتمع واحد خلقه الورع والكرم وحسن الأخلاق والتوق إلي العلا.

 وقد كان للتيشيتيين إسهام كبير في تشكيل المجتمع الموريتاني، خاصة في كل ما يتعلق بالأخلاق الفاضلة وتقبل الآخر ومفهوم التمدن والتعاطي مع العالم الخارجي وذلك نتيجة لتجارب قرون من الزمن ظلت فيها تيشيت زاهرة بالعلم وبالمال، عصية على الدخلاء الاستعماريين حيث لم يستطع المستعمر اختراق القيم الفاضلة لسكانها المستلهمة من القرءان والسنة.
   وقد سؤل المؤرخ الموريتاني الشهير المختار ولد حامدن وهو في آخر سنوات عمره عندما هاجر إلي السعودية، عن مدينة تيشيت وبما تمتاز به عن باقي مدن موريتانيا التاريخية الأخرى، فأجاب بأن الله حباها منذ نشأتها وإلى اليوم بمشايخ لا يكذبون.
 ورغم عاتيات الزمن وجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فما زال بتيشيت الي يومنا هذا ـ وبعد مرور 897 سنة علي تأسيسها ـ رجال لا يكذبون ولا يسألون الناس إلحافا، يعضون بالنواجذ علي مذهب الامام مالك، الذي روي به مؤسس مدينهم الأكبر الشريف عبد المومن، ارض تلك المدينة، ومكث فيها وظل ينفع الناس ومازال نفعه معطاء والشواهد علي ذلك كثيرة من آلاف المخطوطات وأمهات الكتب في كافة المجالات الدنيوية والأخروية من مؤلفات التيشيتيين ومريديهم ومن مؤلفات علماء استجلبوها.
 وقد أرغمت ظروف الجفاف والتصحر المتواصل و الضغوط البيئية وتغير وجهة القوافل، (بعد بناء الميناء الفرنسي في اندر) والانفلات الامني، العديد من سكان تيشيت علي هجرتها رغما عنهم، حيث توطن أكثرهم في الحوضين وابي تلميت في اترارزة، إلا أن أفئدتهم ظلت معلقة بمدينتهم وعيونهم شخاصة نحوها ويتحدث تاريخ المدينة عن حادثة حولت السكان من أغنياء إلي فقراء في ليلة واحدة، عندما صال علي تيشيت جماعة من اللصوص "الهنتاتة" قادمين من بعيد ونهبوا كل ما لدي السكان من ممتلكات، حية أو ميتة بما في ذلك حلي النساء.
فالزائر لمدينة تيشيت اليوم، رغم عزلتها وقلة ما في يد سكانها يدرك أنها مدينة تاريخية بامتياز، تزخر بموروث إنساني حضاري قل وصفه، يشتمل علي كنوز قيمتها لا تقدر بأي ثمن  ويدرك أن تصنيفها من ضمن التراث العالمي الإنساني لم يأت من فراغ، غير أن هذا التراث أصبح اليوم مهددا بالضياع، مما يستدعي تكاتف جهود كبيرة جدا لانتشاله وهي جهود فوق طاقة أصحاب المكتبات، الذين يرابطون ويكابدون بكل وسائلهم المحدودة للمحافظة عليها وهي مسؤولية توارثها الأبناء تباعا عن الآباء والأجداد، حيث وصية كل والد لأولاده في تيشيت هي: "صابروا وجاهدوا وثابروا علي تعلم العلم والعمل به والعناية بالمخطوطات وبالكتب وبالتراث وإكرام الضيف ومؤازرة المضطر وكفالة المغترب لطلب العلم"
  وعن واقع تيشيت، يتحدث السكان اليوم عن العزلة وانعدام كافة الوسائل الضرورية للحياة في مدينة كانت لقرون عديدة زينة الحياة الدنيا في هذه الربوع ومربط أهل العلم ووالمال في الشمال الإفريقي، عندما كانت وسائل النقل هي العيس والخيل والبغال والحمير، مع انعدام الموصلات، لتصبح في عصر التكنولوجيا والسيارات العابرة للصحراء، نسيا منسيا على بعد 233 كيلومتر شمال شرق مدينة تجكجة عاصمة تكانت وهي مسافة لا تقاس بالأمتار بل بالساعات حيث تقطعها اقوي السيارات واقدرها علي طي المسافات في فترة زمنية اقلها ثمان ساعات من شح الأنفس والمحركات، إن وصلت؟!!.
  من يزور تيشيت اليوم وكنت احدهم، الأسبوع المنصرم، يتخيلها مدينة أشباح وليست عاصمة لمقاطعة من بين 54 مقاطعة هي عدد مقاطعات موريتانيا لكونها لا يوجد فيها مكتب ولا منزل للحاكم الذي يعين دائما من طرف مجلس الوزراء كغيره من الحكام قبل ان يعين له مساعد في الأسابيع الماضية، كما لا يوجد بها من قوي الأمن رسميا سوي ثلاثة أفراد من الحرس الوطني ومنذ ثلاث، سنوات حسب تأكيدات السكان لم يمكث فيها الحاكم المعين طيلتها أكثر من ليلتين ضيفا على السكان في زيارة لكسب منافع، شانه في ذلك شأن مسؤول الخزينة الذي حول للمقاطعة قبل خمس سنوات ولم تطأها قدماه، حتى تقاعد، أما محكمة المقاطعة فلم يحول لها قاض منذ 1980.
 المصالح الأخرى مثل البيطرة والزراعة وحماية البيئة ومشروع الواحات وغيرها من المرافق العمومية، فهذه لا مكان لها من الإعراب في تيشيت، باستثناء مسؤول عن الشركة الوطنية للكهرباء التي تزود المدينة 12 ساعة يوميا إذا توفرت المحروقات, ومدرسة هي وحدها المكتملة البنية في عموم المقاطعة وإعدادية يتيمة مبانيها قيد الانجاز بعد أن تطوع نائب المقاطعة بوي احمد ولد اشريف بأرضها.
 ومن النزر القليل من المصالح الموجود في تيشيت، شكلا، مستوصف يفتقد لكل شيء يمت للصحة، ماعدى ممرض وطبيب حول حديثا إلى المدينة، حيث وجد سيارة الإسعاف - التي أمر رئيس الجمهورية بتزويد مستوصف المدينة بها قبل سنة-  متعطلة وتؤكد المصادر العليمة أن قطع غيارها استبدلت بأخري بالية لخصوصيين، كما هو حال سيارة الحاكم وسيارتين تابعتين للبلدية، كانت المدينة قد حصلت عليهما فى السنوات الماضية في اطار مشروع يؤمن فك العزلة ويوفر من خلال دخل السيارتين مبالغ لدعم التنمية الا ان عدم الصيانة حول السايراتين مع سيارة اسعاف المستوصف وسيارة الحاكم الي هياكل متهالكة منسية.
  وفي تيشيت  لا يوجد من مظاهر الحداثة سوي محطة للبنزين تكرم بها النائب علي المدينة لتزود سكانها وسكان قري وأرياف المقاطعة بالمحروقات إضافة إلي هذه المحطة هناك لافتة كتب عليها قسم حزب الاتحاد من اجل الجمهورية يقول السكان انها استبدلت بأخري كانت قبلها لحزب "عادل" وتلك حلت محل لافتة للحزب الجمهوري ومن يدري بما ستستبدل اللافتة الحالية؟.
  ومع هذا الواقع المؤلم، يحس الزائر لتيشيت بنوع من السكينة والاطمئنان النفسي عندما يتجول داخل أزقة المدينة ويولج أبواب مكتباتها ويدخل مسجدها، خاصة عندما يجلس في محرابه عن يمنه ضريح بانيه الشريف عبد المومن وعن يساره ضريح رفيق دربه الحاج، ابو القبرين.
 ويزداد تعلقا بتيشيت وحسرة علي حاضرها وقلقا علي مستقبلها وغضبا علي الغزاة ومن تبعهم من الولاة، إلي يومنا هذا، حيث تآمروا جميعا على طمسها، ويأبى الله أن ينزع البركة من موضع قد وضعها فيه.
 وتيشيت التي هذه حالها، يؤكد السكان بالأرقام أن ما يزيد علي خمسة مليارات من الأوقية أنفقت باسمها خلال العقدين الأخيرين، باسم صيانة التراث تارة وباسم دعم واحات النخيل تارة وباسم البنية التحتية تارة ولا اثر لكل هذه الأموال باستثناء خزان للماء في ضاحية احدى واحات النخيل شيد أصلا لغرض توفير الماء لسقيها وبما أن المشروع صرفت أمواله ـ خارج الأهداف المحددة ـ قبل انجاز نقطة الماء، فظل الخزان خارج الخدمة، كما تم شراء شاحنة وجرافة لإزاحة الرمال عن واحات نخيل المدينة من تلك المبالغ وبدل ذلك ـ يقول السكان ـ أنها أجرت لمستثمرين خارج الولاية.
 سكان مقاطعة تيشيت البالغ عددهم حوالي 5 الاف نسمة يعتمدون في معيشتهم علي التنمية الحيوانية وواحات النخيل والزراعة المطرية وتحت النخيل ويرتفع دخل الفرد طبقا لكمية الأمطار، التي سجلت هذه السنة تسع مليمترات فقط، وهو ما جعل السكان في ضيق من أمرهم، فهم لم يزرعوا ليحصدوا ومواشيهم هاجروا بها الي مناطق بعيدة بها مراعي لاكنها تحتاج الى نقاط مياه آمالهم لانجازها معلقة علي برنامج "أمل"
  ويقول نائب المقاطعة ان حلمه الوحيد هو أن يرى الطريق بين تيشيت وعاصمة تكانت معبدة، مؤكدا ان هناك عدة محاولات مبشرة لانجاز هذا الطريق، الذي تعهد به ولد عبد العزيز للسكان اثناء زيارته لهم بمناسبة الحملة الانتخابية 2009.
 وقد سير النائب قافلة صحية زارت الأسبوع الماضي المقاطعة لمدة اسبوع كامل عالجت خلاله 1750 مواطنا في تيشيت ولخشب واغريجيت وتويجينت وقرية انمادي واجروا عشرات العمليات للعيون وجراحة الأسنان التي كان أصحابها يحتاجون الي الذهاب الي خارج المقاطعة، كما وزعت القافلة علي السكان قيمة مليون ونصف من الأدوية وقد ضمت القافلة أخصائيين في أمراض وجراحة الأسنان وأمراض العيون والجلد والأمراض الباطنية والطب العام.
 وقد اكتشف الأطباء أن أكثر الامراض شيوعا بين السكان، هي ارتفاع ضغط الدم، والأمراض الجلدية، وأمراض الأسنان والعيون وسوء التغذية.
 ولنا عودة الي تيشيت، التي من زارها لا بد أن يعود إليها ليقف علي ماضيها العريق ويبكي لحاضرها الذي ينادي للنجدة ويحتاج للمسعفين، نشير الي ان القافلة الطبية رافقها مهندس من اذاعة موريتانيا، حيث قام  باصلاح جهاز استقابل بث الموجة المترددة (أف أم) الذي كان متعطلا منذ فترة.

اضغط لصورة أكبر
تاريخ الإضافة: 04-02-2012 22:11:26 القراءة رقم : 885
 الصفحة الرئيسية
 الأخبار
 قضايا و آراء
 تقارير
 مقابلات
 من نحن؟
 مابسي
 روابط
 اتصل بنا
 خارطة الموقع
 البريد الألكتروني
 الموقع القديم

عدد الزوار:51248680 جميع الحقوق محفوظة مابسي © 2009