مالذي يحدث في إيران.. محاولة للفهم؟

خميس, 2018-01-04 14:27

في أقل من أسبوع، حصدت الاحتجاجات الإيرانية 22 قتيلا، ومئات من المعتقلين، وشهدت مدن كبرى مثل أصفهان وطهران ومشهد أحداثا مأساوية، مما يجعلنا نتساءل هل وصل الربيع العربي إلى إيران بعد ست سنوات من زحفه على عدة دول عربية؟، ما هي الأسباب الحقيقية لهذه الاحتجاجات؟ باختصار مالذي يحدث في إيران؟

الربيع العربي

أحمد نور الدين الباحث في العلاقات الدولية، أكد على أن هذه التظاهرات تعبر عن استياء عارم من النظام الإيراني، وحالة من الاحتقان الاجتماعي، والدليل على ذلك أنها شملت مابين 7 إلى 10 مدن، منها المدن الكبرى، "بالتالي لا يمكن أن تكون كل هذه التظاهرات تعبر عن مشكل بسيط".

وأبرز نور الدين في تصريح لpjd.ma، أن الشعارات التي رفعت في هذه التظاهرات، شبيهة بالتي تم رفعها في مظاهرات الربيع العربي، والتي طالبت حينها بتغيير النظام في عدد من الدول منها تونس ومصر، قائلا "كما يرفع المتظاهرون صور مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي مضروبة بخطين أحمرين، وهو الشعار الذي يقابله في الثورات العربية ارحل".

ويرى المتحدث، أن النظام الإيراني، لم يستفد من تجربة 2009، أو التي سميت ساعتها ب"الثورة الخضراء"، التي واجهها كذلك بالقمع، "حيث لاحظنا أن الثورات عادت من جديد بعد مرور 8 سنوات، ولكن هذه المرة بشعارات ذات بُعد سياسي أكثر، بعدما كان يهيمن عليها البعد الاجتماعي والاقتصادي في 2009".

توفيق بوعشرين مدير نشر يومية أخبار اليوم، يرى هو الآخر أن الربيع الفارسي كما اختار أن يسميه، يشبه الربيع العربي في عدة أوجه، احتجاجات عفوية بلا قيادة، شعارات تندد بالفساد، وتدعو إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، الشباب والنساء عمود الحركة الاحتجاجية، لجوء السلطات إلى القمع وقطع الانترنيت، وترويج نظرية المؤامرة، والاعتراف للشعب بحق التظاهر، لكن ليس هنا والآن.

 ثيوقراطية "الملالي" 

يبقى السؤال المطروح، ما هي الأسباب التي أدت إلى هذه الاحتجاجات؟ وجعلت شرائح واسعة من الشعب الإيراني تثور في وجه النظام بهذا الشكل القوي، على الرغم من أن إيران "بلد كبير، وموارده متعددة، وخلفه حضارة من آلاف السنين" بتعبير بوعشرين؟ جوابا على هذا السؤال قال نور الدين "النظام الإيراني ظاهريا ينظم انتخابات رئاسية ديمقراطية، ولكن باطنه هو نظام ثيوقراطي تحكمه الملالي أو رجال الدين الإيرانيين بقبضة من حديد، والدليل على ذلك غياب الأحزاب السياسية في إيران، والانتخابات تعددية ولكن تعددية في إطار الوحدة".

مسرحية مفبركة

وتابع نور الدين، هذه التعددية ليست سوى وجها واحد للنظام الديني الإيراني، والدليل على ذلك أن الترشيحات للانتخابات، لا تقبل حتى يقبلها مجلس "تشخيص مصلحة النظام"، معنى ذلك أن هنالك رقابة على أي ترشيح، فمن لم يفز بتأشيرة هذا المجلس لا يمكنه أن يشارك في الانتخابات سواء كانت برلمانية أو رئاسية، معنى ذلك أن النظام الإيراني يتحكم في اللعبة بكاملها، وهذه اللعبة عبارة عن مسرحية مفبركة يتبادل فيها الأدوار بين التيار الإصلاحي والتيار المتشدد، ولكن في نهاية المطاف هما وجهان لعملة واحدة، النظام الطائفي الإثني عشري الذي يتحكم في مقاليد البلاد، بالإضافة إلى أن سلطات المرشد الإيراني، مطلقة ولا حدود لها في الجيش والأمن، ويمكن أن ينتزع صلاحيات رئيس الدولة وفقا للدستور الإيراني، يضيف المتحدث.

مجتمع متحرر

بالمقابل، يقول توفيق بوعشرين في افتتاحية عدد جريدة أخبار اليوم الصادر اليوم الأربعاء، يوجد في إيران مجتمع متحرر موازٍ للمجتمع المتدين، مجتمع حي ونشيط جدا في الجامعات وحلقات الفكر ودور السينما، ودوائر المثقفين، علمانيين ومتديينين، ومع هذا حركة للترجمة نشيطة جدا، وتجمعات للتجار (البازار) مسيسة إلى حد كبير، وحركة "فيمنيست" متجذرة في الأرض الإيرانية المعتزة بقوميتها الفارسية أكثر من انتمائها الديني والمذهبي، والمتطلعة إلى لعب دور في الداخل والخارج.

استيراد الثورة

 المحلل السياسي محمد المختار الشنقيطي، يرى أن إيران بعدما حاولت تصدير ثورتها، ثم انخرطت في الثورة المضادة للربيع العربي في سوريا واليمن، نجدها اليوم تستورد الثورة إلى أرضها من حيث أرادت قتْلها بعيدا عن حدودها، مبرزا أن الربيع العربي كان فرصة تاريخية لإيران للخروج من مأزق الحصار الاقتصادي والاستراتيجي الذي ضربته عليها أمريكا وحلفاؤها من الأنظمة العربية وإسرائيل، وتجديد شباب ثورتها المبتورة، مستدركا لكن غلب على القيادة الإيرانية قِصَر النظر الاستراتيجي، وضيق الأفق الفقهي، ففتحت في خاصرة الربيع العربي جرحا عميقا، وشنت عليه حربا طائفية هوجاء، ومعركة تاريخية غبيَّة، تُحيي الأموات وتقتُل الأحياء.

لقد أدت إيران دورها في الثورة المضادة يردف الشنقيطي في مقال له بعنوان "إيران من تصدير الثورة إلى استيرادها"، نشرته مدونة الجزيرة، فدمرت الثورة السورية حرصا على النظام الطائفي في دمشق، وساهمت في وأد الثورة اليمنية بدعمها للحوثيين، قائلا "واضح من الحراك الشعبي الإيراني هذه الأيام أن كثيرا من الجمود السياسي والتصلب المؤسسي قد أصاب النظام الإيراني، وتلك نتيجة حتمية لمصادرة ثمار الثورة الإيرانية عام 1979، وحشْرها تحت عمامة الولي الفقيه، واحتكار نتائجها لصالح جزء يسير من النخبة الإيرانية والمجتمع الإيراني، وعدم السماح لها بالتحول إلى تحرر كامل لإرادة المجتمع بكامله".

رسائل المحتجين

إذا كانت هذه بعض الأسباب التي أدت إلى الاحتجاجات الإيرانية التي خلفت 22 قتيلا، ومئات من المعتقلين، فما هي أبرز رسائل المحتجين إلى النظام الإيراني؟ جوابا على السؤال قال نور الدين، هذه الشرائح الواسعة التي تتظاهر اليوم، والتي تظاهرت سنة 2009، ربما يئست من هذا النظام، الذي تغيب فيه الديمقراطية ويحاول أن يفرض نفسه كوصي على منطقة الشرق الأوسط، لذلك فأهم رسالة يوجهونها للنظام مفادها أن الأهم عندنا هي الحريات والديمقراطية الداخلية، وعدم التدخل في الشؤون الخارجية، والعيش الكريم وتحسين الاقتصاد الذي مازال منذ 1979، يعتمد بشكل كبير جدا على اقتصاد الريع المرتبط بالنفط.

الأفق غامض

وفي الوقت الذي قال فيه نور الدين إنه من الصعب الحديث عن أفق هذه الاحتجاجات اليوم، لأنها مفتوحة على كل الاحتمالات، خصوصا بعدما وظف النظام الإيراني نفس أسلوب النظام المصري، المتمثل في تحريك الجماهير المضادة للتظاهرات الشعبية، يرى  المختار الشنقيطي "أن انهيار النظام الإيراني بسبب المظاهرات الحالية، ليس بالبساطة التي يظنها المتحمسون من خصوم إيران الإقليميين".

وأضاف الشنقيطي، إن المشهد الإيراني اليوم سائر في أحد مسارين: إما أن تتنازل السلطة الإيرانية للشباب المحتجين، وتبدأ مسارا إصلاحيا عميقا يتضمن تحولا دستوريا حقيقيا لصالح عموم الشعب، ووقفا فوريا للمغامرات الخارجية الدموية في الجوار الإقليمي التي استنزفت ثروة إيران، بدلاً من إنفاقها على حاجات شعبها. وإما أن تتدهور الأوضاع إلى ما يشبه الحرب الأهلية، بدعم وتشجيع من قوى إقليمية ودولية معادية لإيران.