أيها الغائب الذي في فؤادي.. حاضر...

أربعاء, 2017-12-13 17:08
د.الشيخ ولد سيدي عبد الله ـ أستاذ التحليل النصي بالمعهد العالي للغات والترجمة والترجمة الفورية

أيها المتصوف، الرافل في سندس الكلمات .. أيها الثائر النازف زمزما .. أكان حقيقا بمثلك أن يجمع كل هذه القلوب ويرحل مع الغيمات الى غير رجعة؟

 

أعرف أنك ستعيد للصدور قلوبها، ستجعلها سحابا من ثلج وبرد.. ستبعث معها ابتسامتك .. حياءك ..جلجلة كلماتك وأنت تكفكف دمع هذه الأمة حين صيّره الطغاة نجيعا ..

 

أعرف .. وأعرف أننا لم نفهمك حين كنت تعانقنا وتطيل العناق كأنك تطلب منا التشبث بك .. ومن أنت ؟ .. انت ذاتنا الأبية.. أنت صمتنا الصاخب .. أنت بساطنا الذي عبرنا عليه إلى حيث ترقص الكلمات على أنغام الحق والحقيقة ..

 

أيها العاشق أبدا ..

ما كان أغناك عن عشقنا .. ما كان أغناك عن الإيمان بنا .. نحن لا نحسن التبتل في محراب الجمال .. نحن لا نعرف الفرق بين الدم والماء...

 

حين كنت تضحك في وجوهنا لم نكن ندرك أنك تخادعنا حتى لا نرى بريدك الذي آليت على نفسك إرساله للراحلين مع كل إشراقة شمس وكل هدأة أصيل ...

 

كنت تبتسم في وجه العاصفة ثم تنزوي سريعا تناجي تلك السيجارة التي كانت جزء من ذاك البريد كنت تقول لها :

 

هم يرحلون فلا تسأل متى الخبر في كل يوم على أبوابنا الخطر

 

هم يرحلون فلا تأبه لنائحة فهذه زمر في إثرها زمر

 

ونحن في هذه الدنيا على سفر نلقي العصا حيثما أودى بنا السفر

 

وإن تغرب حر في مجاهدة فمبتغاه العلى والعز والظفر

 

فكن كبيرا أمام الدهر ذا جلد فالله مولاك لا زيد زلا عمر

 

ومن تفكر في الدنيا وديدنها وسابق العمر أعيت ذهنه الفكر

 

فإن مررت على الأجداث هامدة ولا حراك ولا صوت ولا خبر

 

فاعلم بأنك ماض في طريقهم ولن يفيدك جمع المال والنفر

 

كنت تقول في "بريد الراحلين" ...

 

أتراك أنت هو الراحل حينها؟ أتراك كنت تؤجل رحيلك حتى ننام .. كنت تتحين لحظة لا يحضرها إلا العبّاد والزهاد والنساك والعاشقون ؟ ..

 

الغسق ... منحت الغسق وصيتك الأخيرة ... لكنه رحل معك .. فبعدك لا غسق هنا .. ولا فجر ولا شروق ..

 

قل لي .. ومعذرة .. ما الذي اتفقت عليه أنت والدكتور محمد ولد عبدي عشية مناجاة في شاطئ الراحة؟ ..

 

أجبني إذ سألتك : هل صحيح حديث الشعر؟

 

هل حقا اتفقتما على الرحيل .. ومن دون وداع ..

 

أصدر الدكتور محمد ديوانه (الرحيل وتليه الفصوص) ثم حزم أمتعته ورحل ... انتزع آخر صفحة من الديوان ثم لوح بها .. أنت وحدك من ابتسم ولوح بريشته ..

 

ها انت تكرر المشهد .. تنشر ديوانك (بريد الراحلين) .. ثم ترحل دون أن تلوح .. وتكتفي بابتسامة الغسق ..

 

تحدثتما معا عن وجع الرحيل .. وتحدثت أنت عن وجع البقاء ... وهو الوجع الذي كنت تقرأه مسطرا في كل زوايا هذا الوطن العربي المثخن ...

 

هل كنت موقنا بأن دموعك المستحيلة شعرا، والتي صافحتْ بها أمواجُ المحيط أمواجَ الخليج، ستجف برحيلك ..

 

لا أبدا ....

 

ها نحن نحشو البنادق من قصيدك .. وفي كل طلقة زغردة لأم في فلسطين أو موال عباسي في بغداد أو قد حلبي يتردد في الحارات الدمشقشة القديمة ..

 

أيها الباذخ أبدا ..

أخيرا قرر قلبك الوثير أن يغادر .. كان ضيعة تنبت الطلح والقتاد .. كان مشتلة لعبير الياسمين والأقحوان .. كان غيمة تتشكل في الأفق بكل ما نهوى .. تارة على شكل قلب يحاور قلبا .. وتارة على شكل كلمة من لغة الخيميادو .. وتارة على شكل ابتسامتك المرهقة والحالمة ..

 

هو نفسه القلب الذي منح الكلمات ماء الحياة .. فتساوت في فسيفسائها معاناة الفقراء بمعاناة الأثرياء .. القلب الذي جعل من ذاته كهفا لمعاناة المستضعفين والمحرومين والمهمشين ...

 

القلب الذي حول دموع صغار الكبات والكزرات الى سبائك من ذهب ولؤلؤ ...

 

القلب الذي جعل من أديمه مدفنا لقضية شعب ومعاناة أمة .

 

قل لي هل تكفي كل بحار الدموع لتساوي دموعك حين بكيت ذات وجع الشيخ أحمد ياسين قائلا :

 

إن يكن خانك الحبيب فإني خانني السيف في الزمان الضروس

 

إبك إن شنت ربع هند ودعد فسأبكي ياسين والرنتيسي

 

وهل تكفي كل الورود لتساوي تحيتك للشيخ رائد صلاح حين خاطبته قائلا :

 

غريبا كروح الفجر حرا كهمسه تدافع عن دين النبي وقدسه

 

رسمت لنا بين المنارات نجمة فبوركت من شيخ فدانا بنفسه

 

على مدخل الأقصى وقوفا مرابطا تهيم به شوقا وتهفو لمسه

 

وهل تكفي كل كل قصائد الدنيا لتساوي قولك لمنتظر الزيدي وحذائه الخالدة :

 

يا وارث الغضب المسكوب أحزمة من التحدي لمن جاروا فما اعتبروا

 

يمناك مرفوعة في وجه أبرهة ضربا على الهام مات الخوف والخور

 

وها انت يا صديقي ترحل كنسمة عطر تعلو فوق الأزاهر والفراشات ... ترحل في صمتك الآسر دائما .. لم تودعنا .. الغسق وحده يعرف لماذا كانت آخر كلماتك أنفة وشموخا وبشرى بمستقبل الأمة والقدس والأقصى ..

 

ما زال صوتك المبحوح يرن في مسامعنا وكأننا نحسك تهزنا فتقرأ فينا شموخ وكبرياء نخيل امحيرث .. حين كنت تهزه فيساقط علما وشعرا وجهادا ....

 

ها أنت ترحل ..

عال وقدرك عال دونه الشهب ونور فكرك شمس ليس تحتجب

 

وأنت أنت وتبقى دائما علما تمشي على دربه الأجيال والحقب

 

و ترحل .. تماما كما قال الفيتوري :

 

ها أنت ذا فوقَ صخرِ الموتِ تزدهرُ تصحو وتصحو المَرَايا فيكَ والصورُ

 

ها أنت ذا تنفضُ الأجيالَ ثانيةً فتستفيقُ الضحايا حيثُ تنتصرُ

 

كأنما جئتَ في كل العصور وقد كنتَ النبوءة في أحلام من عبروا

 

إلى جنات الخلد يا عزيزي ...

المبدعون لا يموتون .. هم فقط يتظاهرون بالموت ..

 

المبدعون لا يموتون .. هم كالخيول الأصيلة تنام واقفة ..

 

الى الفردوس الأعلى عزيزي .. الخلود لله وحده ..