الشنقيطي.. أي فتى مُضاع!

أحد, 2017-10-08 10:41

حدَّثَني أحد الأصدقاء أنه سمع الشنقيطي ذات يوم في منزل بمقاطعة السبخة في العاصمة انواكشوط قبل 32 سنة أي عام 1985 بالتحديد، سمعه يترنم بمقطوعة شعرية من إنتاجه لم يعدْ يتذكر منها سوى البيت الأخير :
فيا حبَّذا أهلُ "الجريف" على قربٍ * ويا حبذا أهل "الجريف" على بُعدِ.

 

في تلك المقطوعة كان الشنقيطي -وهو لا يزال يومها فتى في ريعان عمره وسيكون بعدها فتى في القدر والمكانة إذا القومُ قالوا مَن فتًى- كان يبثُّ شوقه لقريته "أجريف" مسقطِ رأسه وموْطن أجداده التي تقع قرب مدينة النعمة عاصمة ولاية الحوض الغربي. لم يكتفِ الشنقيطي بمجد آبائه وأبناء عمومته الذين يقول أحدهم وهو المختار ولد بونه مُتحدثا عن نفسه وطلاب محظرته العامرة :

 

ونحن ركبٌ من الأشراف مُنتظمٌ * أجلُّ ذا العصر قدْرًا دون أدْنانا
قد اتَّخذْنا ظهورَ العيس مدرسةً * بها نُبيِّنُ دينَ اللهِ تبْيانا

بل ضرب في الأرض يبتغي العلم ليبني مجدَه الخاص ويشقَّ طريقَه بنفسه فكأن لسان حاله :
لسنا وإن أحسابُنا كرُمتْ * يوما على الأحساب نتَّكلُ
نبني كما كانت أوائلنا * تبني ونفعل مثل ما فعلوا

تنقَّل الشنقيطي بين محاظر عدة يطلب ربَّات الخدور من العلوم ويروم وِصال بنات الأفكار الأبكار..

 

بناتٌ أبيْنَ الوصلَ من كلِّ طالبٍ * ولو كان ذا مالٍ إذا لم يكن يدري
وما ذاك إلا أنه غيرُ كُفئها * وهل لبنات الحِبرِ كفْؤٌ سوى الحَبرِ
سيجد ثمرة اجتهاده ذاك ويقترن إسمه بعد ذلك بلقب "المفكر"، بعد أن ارتوى من معين محاظر شنقيط ومعهدها العالي للداراسات والبحوث الإسلامية وجامعتها اليتيمة آنذاك ثم ذهب لأمريكا يطلب المزيد من علوم الغرب.

 

فكان أن حصل طيلةَ مسيرته الدراسية على بكالريوس في الفقه والأصول، وبكالريوس في الترجمة (عربية/فرنسية/إنجليزية)، وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة كولومبيا الجنوبية بولاية ألاباما، وماجستير ثم دكتوراه في تاريخ الأديان من جامعة تكساس.

 

اشتغل عام 1997 مدرِّسا لمادتيْ التفسير والنحو في جامعة "الإيمان" اليمنية التي كان يرأسها الشيخ عبد المجيد الزنداني، وبعد جولات في السودان ودول أخرى استقرَّ به المُقام في قطر أستاذا للأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة "حمد بن خليفة". يذكر أحد الموريتانيين في قطر أنه ما رآه إلا ويحمل كتابا بين يديه ويراجعه بين الفينة والأخرى إذا وجد وقتا حتى صار زملاؤه يطلقون عليه لقب " تأبَّط كتابا" !

 

 

تلك المكارمُ لا قعْبان من لبنٍ * شيبا بماءٍ فعادا بعْدُ أبوالا

الشنقيطي صاحب العديد من المؤلفات والكتب من أشهرها كتاب "الخلافات السياسية بين الصحابة" الذي قدَّم له الشيخ القرضاوي واستحسنه, و كتاب "خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين" و"أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية" الذي صدر أولا باللغة الإنجليزية كدراسة للدكتوراه من جامعة "تكساس" ثم ترجمه الشنقيطي بعد ذلك بنفسه للغة العربية، بالإضافة لعشرات المقالات والدراسات المنشورة على أهم المواقع.

 

مفكر كالشنقيطي كان من الطبيعي أن تسعى أيُّ دولة لاحتضانه ويطمع أي نظام في استمالته بُغية الإستفادة من علمه وتجربته، إلا أن نظام الجنرال عزيز الذي انقلب على سلطة مدنية منتخبة يقوم بمنعه وأبنائه من تجديد جوازات سفرهم ليُحرم الأطفال من متابعة دراستهم في كندا ويُؤخذوا بجريرة آراء أبيهم ومواقفه من الأنظمة المستبدة !

 

أجِدَّكم بذا يَرضى كريمٌ @ وهل حرٌّ يطيقُ له اصطبارا !

والمشكلة الكبرى إذا كان النظام سيعتمد سياسة نزع الجنسية والحرمان من الأوراق الثبوتية في حقِّ معارضيه، فليست هذه أول مرة يفعلها، فنفس الأمر حدث مع المصطفى الشافعي وأبنائه، فلا بد من الوقوف في وجه هذه الحماقات التي لم ترتكبها بعض أكثر الأنظمة العربية قمعا واستبدادا، ولا بد من أن تصل الرسالة واضحة لنظام عزيز : موريتانيا لكل الموريتانيين وليست مزرعة خاصة بأحد ورثها من عند أبيه مثلا حتى يمنع منها مَن يشاء ويُدْخل مَن يشاء !