التعليم في موريتانيا بين مطرقة سوء التسيير وسندان التنظير الفطير

سبت, 2017-10-07 11:26
محمد الأمين سيدي بو بكر

ﺍﻟﻌِﻠﻢ ﻫﻮ ﺍﻟﻨﺒﺮﺍﺱ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻀﺎﺀ ﺑﻪ ﺍﻟﻈﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﺤﺎﻟﻜﺔ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺮﺍﻳﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺷﺪ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻓﻴﻪ ﺧﻴﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺪنيا ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ، وﻫﻮ ﻣﻨﻴﺮ ﺍﻟﻈﻠﻤﺔ، ﻭﻛﺎﺷﻒ ﺍﻟﻐﻤﺔ، ﻭﺑﺎﻋﺚ ﺍﻟﻨﻬﻀﺔ، وﻫﻮ ﺳﻼﺡ كل ﻓﺮﺩ وكل ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﺘﺤﺼﻦ ﻭﻳﻬﺎﺑﻪ أعداؤه، ﻭﻫﻮ ﺃﺳﺎﺱ ﺳﻌﺎﺩﺓ الأفراﺩ، ﻭﺭﻓﺎﻫﻴﺔ ﺍلمجتمعات ﻭﺭﺧﺎﺀ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ، ﻭﺍﻟﺒﺸﺮ ﺟﻤﻴﻌﺎ.

 

العلم بالنسبة للفرد يوسع ﻣﺪﺍﺭكه ﻭيزيد ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﻭالإﺩﺭﺍﻙ والاﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﻭﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤواضيع وﺍلقضايا من عدة ﺯﻭايا، وﻳﻨﻴﺮ عقله ويهديه ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺼﻮﺍﺏ، ويكسبه الاﺣﺘﺮﺍﻡ ﺍﻟﺬﺍﺗﻲ ﻭﺍلاﺣﺘﺮﺍﻡ ﻭﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﺑﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍلآﺧﺮين، ﻭيعلي منزلته وﻳﺮﻓﻊ ﺩﺭﺟﺘﻪ.

 

وﺃﻣﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ، فتظهر أﻫﻤﻴﺔ العلم في قدرته على بناء اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻜﺔ، ﺍلمكتفية ﺫﺍﺗﻴﺎً، ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻓﻲ ﺗﻌﻠﻴﻢ ﺃﺑﻨﺎﺋﻬﺎ، ﻟﻠﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺟﻴﻞٍ ﻣﺘﻌﻠﻢٍ ﻭﺍﻉٍ ﻣﺜﻘﻒٍ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ والنهوض ﺑﺎﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺎً ﻭﺻﻨﺎﻋﻴﺎً ﻭﺣﻀﺎﺭﻳﺎً، وهو ﺟﺰﺀ ﻣﻦ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭهو ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻟﻠﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟﻪ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻌﻴﺪ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻟﺒﻴﺌﻲ ﻭﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ، وﺑﺰﻳﺎﺩﺓ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺗﻘﻞ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ المنظمة ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ الجهل وﻗﻠﺔ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻛﺎﻟﺘﺴﻮﻝ ﻭﻋﻤﺎﻟﺔ ﺍلأﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻫﻘﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍلأﺧﺮى ﻭﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، فاﻟﻌﻠﻢ ﻳﺤﻤﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ ﺳﻴﻄﺮﺓ الأﻓﻜﺎﺭ المتطرفة، ﻭالأﻛﺎﺫﻳﺐ المضللة، وﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻳﺤﻘﻖ ﺍﻟﺮﻳﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ، ﻭﺍﻟﺼﺪﺍﺭﺓ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻛﺰ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻷﻋﻤﺎﻝ، ﻭبه يكون المجتمع أو ﺍﻟﺪﻭلة أﻛﺜﺮ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ.

 

وﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺮﻛﻴﺰﺓ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻷﻱ ﺗﻄﻮﺭ ﻭﻧﻤﺎﺀ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻱ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺠﺴﺮ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻭﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻌﺒﻮﺭ ﺇﻟﻰ اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﺍﻟﺰﺍﻫﺮ ﺍﻟﻤﺸﺮﻕ، ﻭﺑﺪﻭﺭﻩ ﻳﻨﻘﺴﻢ في موريتانيا ﺇلي : ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻤﺤﻈﺮﻱ، ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻌﺼﺮﻱ، فاﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻤﺤﻈﺮﻱ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻣﺘﺪﺍﺩﺍً ﻃﺒﻴﻌﻴﺎً ﻟﻠﻤﻮﺭﻭﺙ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ، ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻲ، ﻭﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ، ﻭالاﺟﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻭﻳُﺸﻜﻞ ﻣﺮﻛﺰ ﺛﻘﻞ ﻭﺍﻋﺘﺰﺍﺯ، ﻭﻣﻨﺒﻊ ﺇﻟﻬﺎﻡ ﻭﺇﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ، ﻓﻔﻴﻪ ﺗﺘﺤﺪّﺩ ﺍﻟﻤﻜﺎﻧﺔ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ ﻟﻬﺬا ﺍلمجتمع، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻌﻨﺼﺮ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﻓﻲ ﺑﻨﺎئه ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺎً ﻭﺣﻀﺎﺭﻳﺎً، ﺣﻴﺚ ﻋُﺮِﻑ ﺍلأﺟﺪﺍﺩ ﻣﻨﺬ ﻗﺪﻳﻢ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﺑﺤﺮﺻﻬﻢ ﻭﻭﺭﻋﻬﻢ ﻭإﺧلاﺻﻬﻢ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺼﻨﻒ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، ﺣﻴﺚ ﻛﺎن ﺭﺟﺎﻟﻬﻢ ﺃﺋﻤﺔ ﻭﻋﻠﻤﺎﺀ ﻭﻓﻘﻬﺎﺀ، ﻭﻧﺴﺎﺅﻫﻢ ﻋﻔﻴﻔﺎﺕ ﻃﺎﻫﺮﺍﺕ ﻃﻴﺒﺎﺕ ﺣﺎﻓﻈﺎﺕ ﻣﺮﺑﻴﺎﺕ ﻷﺑﻨﺎﺋﻬﻦ، وﻟﻘﺪ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﺫﻛﺮ ﻣﻮﺭﻳﺘﺎﻧﻴﺎ ﻣﻨﺬ ﻗﺮﻭﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻭﺷﻊ ﻧﻮﺭﻫﺎ ﻓﻲ أﻗﻄﺎﺭ الدنيا ﻋﺒﺮ ﻋﻠﻤﺎﺋﻬﺎ ﻭﻣﺼﻠﺤﻴﻬﺎ ﻭﺩﻋﺎﺗﻬﺎ ﻭﻣﺮﺷﺪﻳﻬﺎ

 

وﺃﻣﺎ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻌﺼﺮﻱ ﻓﻬﻮ ﺇطلاﻟﺔ ﻣﻌﺎﺻﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺑﺪﻭﺭﻫﺎ ﺗﻔﺮﺽ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻛﻮﺍﻗﻊ ﻣﻌﺎﺵ ﻭﻳﺠﺐ ﺍﻟﺘﻌﺎﻃﻲ ﻣﻌﻪ ﺑﻤﺪّ ﻭﺟﺰﺭ ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﻭﻓﻲ ﺃﺣﻴﺎﻥ ﺃﺧﺮﻯ، ﻭهو ضرورة حتمية ﻟﺒﻠﻮﻍ ﺷﺘّﻰ ﻣﺮﺍﻣﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍلعصرية، ﻭﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺰ ﻋﻠﻴﻪ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺍﻟﻤﺴﺎﻳﺮﺓ ﻟﻈﺮﻭفه ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ، ﻭﺍلأﺧﺬ ﺑﻮﺳﺎﺋﻠﻪ ﻭﻧﺘﺎﺋﺠﻪ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﻭﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﻭﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭ، ﻭﺗﻔﻬﻢ ﻭﺇﻗﺮﺍﺭ، ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻴﻮﻣﻴﺔ للأﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، وﻣﺎ ﻧﺸﺎﻫﺪﻩ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺼﻨﻮﻋﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺨﺘﺮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻣﻦ ﺳﻔﻦ ﻓﻀﺎﺀ، ﻭﺻﻮﺍﺭﻳﺦ ﻋﺎﺑﺮﺓ ﻟﻠﻘﺎﺭﺍﺕ، ﻭﻃﺎﺋﺮﺍﺕ ﺃﺳﺮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻮﺕ، وأخريات ذوات قيادة ذاتية، وأقمار اصطناعية، وعقول ﺍﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ، ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺨﺘﺮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺧﺪﻣﺖ ﺍلإﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ، كلها أﺩلة ﻇﺎﻫﺮة، ﻭﺑﺮاهين ﺳﺎطعة، تشير ﺇﻟﻰ عظم ﻣﻨﺰﻟﺔ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺃﺛﺮها ﻋﻠﻰ الحيات ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ وكما ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ:

 

ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻳﺮﻓﻊ ﺑيتا ﻻ ﻋﻤﺎﺩ له *** ﻭﺍﻟﺠﻬﻞ ﻳﻬﺪﻡ بيت ﺍﻟﻌﺰ والشرف

 

وﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺗﺄﺗﻲ ﺃﻫﻤﻴﺔ العلم وﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺑﺸﺘﻰ ﺃﻧﻮﺍﻋﻪ ﺍلإﻳﺠﺎﺑﻴﺔ، التي تخدم الدولة والمجتمع والبشرية، لا سيما في الأمة العربية والإسلامية التي تعاني من التشرذم وشبه الاندثار الحضاري منذ سقوط الدولة الإسلامية، إضافة إلى التقزيم ومحاولات التقسيم التي لا تخلو من الأيادي الخارجية، مستغلة الفئات الأكثر هشاشة وجهلا في المجتمعات العربية والإسلامية، فاﻟﻌﻠﻢ ﻫو العلاج الأنجع والوقاية الأفضل من كافة القلاقل والأزمات السياسية والاقتصادية التي نعاني منها اليوم، وهو أﺳﺎﺱ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﻭﻣﺤﻮﺭ ﻗﻴﺎﺱ ﺗﻄﻮﺭ الدول والمجتمعات، ﻓﻜﻞ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ والبلدان ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻤﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺜﻘﻔﻴﻦ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﻻ ﺷﻚ أﻥ ﺍﻟﺪﻭﻝ الطامحة للتطور تراهن ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ وتطوره، وتسعي جاهدة لبناء منظومات تعليمية متكاملة تضمن لها النهوض بالأفراد والمجتمعات، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ تعطي عناية خاصة للتعليم، ﻭﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻤﻮﺍﻫﺐ ﻭﺗﻨﻤﻴﺘﻬﺎ ﻭالاﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﻣﻨﻬﺎ، في إﻋﺪﺍد أجيال راقية ﻣﺘﻤﻴﺰة ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺘﻮﻓﻴﺮ كافة ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺕ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ المناسبة، ﻣﻦ ﻣﺪﺍﺭﺱ ﻭﻛﻮﺍﺩﺭ ﺗﺪﺭﻳﺴﻴﺔ ﺟﻴﺪﺓ، ﻭﻣﻨﺎﻫﺞ ﺩﺭﺍﺳﻴﺔ ناجعة، وأدوات البحث والاختراع والإبداع.

 

 

وهو ما لا حظ لنا فيه في بلاد شنقيط أرض المنارة والرباط أرض العز والكرم أرض العلم والعلماء والشعراء، ونحن نقبع في المرتبة الأخيرة عالميا من حيث جودة التعليم (#الرتبة_137)، بسبب النهب والفساد، وسوء الإدارة والتسيير، وعدم الرشد أو الرشاد.

 

ويعاني التعليم في موريتانيا من مشاكل عديدة لعل أبرزها ﺿﻌﻒ ﺍﻟﺒﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﺤﺘﻴﺔ ﻭﻫﺠﺮﺓ ﺍلمدرسين إلى الخارج أو المدارس الخصوصية ﻭهو ما يسبب نقصا كبيرا ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﺍﺩﺭ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻴﺔ، إضافة إلي ﻓﺸﻞ ﺍﻟﺒﺮﺍﻣﺞ ﺍﻹﺻﻼﺣﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﺘﺎﻟﻴﺔ، ﻭﻳﻘﻮﻝ ﻣﺘﺎﺑﻌﻮﻥ، إﻥ ﺍﻹﺻﻼﺣﺎت ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﺒﻌﺔ ﻓﻲ ﻣﻮﺭﻳﺘﺎﻧﻴﺎ، ﻛﺜﻴﺮًﺍ ﻣﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﻏﻴﺮ ﺧﺎﺿﻌﺔ ﻟﻠﺪﺭﺍﺳﺔ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺒﻨﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﻋﻘﻼﻧﻲ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻣﻨﺒﻌﻬﺎ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﺎﺓ والتقليد والتبعية العمياء، ﻭالانغماس والخضوع لإﻏﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺟﺎﻫﺪًﺍ ﻧﺸﺮ ﻧﻈﻤﻪ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻴﺔ ﻭﻓﻠﺴﻔﺎﺗﻪ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻳﺔ، لكن لم تكن هذه العوامل ﻭﺣﺪها سببا في ﺗﺮﺩﻱ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻓﻲ ﻣﻮﺭﻳﺘﺎﻧﻴﺎ، ﻓﺎﻟﺘﻌﻠﻴﻢ هنا يحتضر وﻳﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ مشكلات عديدة ليس أقلها خطورة انشطاره بين وزارتين منفصلتين ولم تنهض أي منهما بما عليها.

 

والجدير بالذكر أن الجهات الوصية على التعليم في موريتانيا تنفي جل التهم الموجهة إليها بالتقصير في النهوض بالمنظومة التربوية، بل تتهرب منها متعللة بعدم المسؤولية عن فشلها وداحضة له في الأساس.

 

فيما يتساءل آخرون عن ﻣﺎ هي ﺍلأﺳﺒﺎﺏ الكامنة ﻭﺭﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻧﺤﻄﺎﻁ ﻭﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ المتزايد في المنظومة التربوية؟

 

ﻭﻫﻞ ﺍﻧﻌﺪﻣﺖ ﺍﻟﺮؤى ﻭﻏﺎﺑﺖ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ من موريتانيا؟

 

أم أن ﻗﺎﺩﺓ ﺍﻟﺒﻠﺪ عجزوا ﻋﻦ إﻳﺠﺎﺩ أﺳﺒﺎﺏ ﻣﻌﻘﻮﻟﺔ ﻭﺩﻗﻴﻘﺔ ﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻟﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ والتدني الحاصل في المنظومة التعليمية؟

 

أم أﻥ ثمة ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﻣﺤﺠﻮﺑﺔ ﻭﺭﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﺸﻞ التعليمي؟

 

يبدو أﻥ ﻓﺸﻞ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ ﻭﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺎ ﻭﺍﻟﺘﺒﻌﻴﺔ لأﺟﻨﺪﺍﺕ ﺧﺎﺭﺟﻴﺔ ﻫﻲ ﺟﺰﺀ ﻣﻦ أﺳﺒﺎﺏ ﻓﺸﻞ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، وﺭﺑﻤﺎ هي ﺟﺰﺀ ﻣﻦ ﻣﺆﺍﻣﺮﺓ ﻻ ﺗﺮﻳﺪ ﻟﻠﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻨﻬﻮﺽ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭه أﺳﺎسا لنشر الوعي وﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﻨﺠﺎﺡ.

 

وﻳﺬﻫﺐ ﺍﻟﺒﻌﺾ إﻟﻰ أﻥ ﻋﺪﻡ ﺍﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺑﺎﻟﺘﻌﻠﻴﻢ العام ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻫﺞ المناﺳﺒﺔ، وﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺪﺍﺭﺱ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ ﻣﻦ ﺭﻳﺎﺽ ﺍلأﻃﻔﺎﻝ، ﻭﻋﺪﻡ ﺗﻮﻓﻴﺮ ﺍﻟﺨﺪﻣﺎﺕ ﻟﻬﺎ، من أبرز أسباب فشل التعليم في موريتانيا، إضافة إلى ﺍﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ الخاص ﺑﺸﻜﻞ فوضوي ﻏﻴﺮ ﻣﺪﺭﻭﺱ ﺳﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﺿﻌﻒ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ الهش أصلا، وﺍﻧﺤﺪﺍﺭ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻜﻮﺍﺩﺭ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻴﺔ ﻭﻋﺪﻡ ﺗﻄﻮﺭﻫﺎ ﻭﺍﺭﺗﻘﺎئها إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎﺕ ﺭصينة تجعلها قادرة على إﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻳﺔ، بالإضافة إلي ﻋﺪﻡ ﺣﺮﺹ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ الإﺩﺍﺭﻳﺔ والإشرافية ﻋﻠﻰ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻄﻠﻮﺏ ﻣﻦ ﺩﻭﺭ ﺭﻗﺎﺑﻲ ﻭﺗﻄﻮﻳﺮﻱ ﻟﻠﺘﻌﻠﻴﻢ، إضافة لتفشي ﻇﺎﻫﺮتي ﺍﻟﻐﺶ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻣﻼﺕ في الوسط المدرسي الموريتاني، رغم حرمته الدينية وخطورته الاجتماعية.

 

ﻭﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺗﺠﺮﺑﺘﻨﺎ ﻻﺣﻈﻨﺎ أﻥ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻳﻨﺤﺪﺭ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ المتوسطة ﺣﻴﺚ ﻻﺣﻈﻨﺎ أﻥ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻠﺒﺔ ﻳﻨﺘﻘﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺍلاﺑﺘﺪﺍﺋﻴﺔ إﻟﻰ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻄﺔ ﻭﻫﻮ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﺣﺘﻰ أﺑﺴﻂ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ في اﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ فما بالكم بالفرنسية ﻭﺍﻟﺪﺭﻭﺱ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ، وﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﺘﻀﺢ ﺿﻌﻒ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻲ ﻭﺗﺪنيه، حيث ﺗﺒﺪﺃ ﺍﻻﻭﺭﺍﻕ تكشف ﻧﻔﺴﻬﺎ بتدني نسب النجاح ﻓﻲ ﺍلاﻣﺘﺤﺎﻧﺎﺕ

 

ﻛﺬﻟﻚ ﻳﻘﻒ ﻋﺎﻣﻞ آﺧﺮ ﻭﻫﻮ ﻃﺮﻕ ﺍﻟﻐﺶ ﺍﻟﻮﺍﺿﺢ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺶ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯﻫﺎ ﺍﻟﻄﺎﻟﺐ ﻣﺮﺓ أﻭ ﻣﺮﺗﻴﻦ ﻟﻜﻨﻪ ﻳﻘﻊ ﺑﺎﻟﺘﻠﺒﺲ بها ﻣﺮﺍﺕ أﺧﺮ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻳﻔﺸﻞ ﻭﻳﺮﺳﺐ أﻭ ﻳﻄﺮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ، ﻭﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﺴﻴﺌﺔ ﻟﻐﺎﻟﺒﻴﺔ ﺍﻟﻄﻠﺒﺔ ﻭﺍﻟﻤﺪﺍﺭﺱ ﻧﺠﺪ ﻛﻢ ﻫﻮ ﻛﺒﻴﺮ ﺣﺠﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﺎﺭﺛﺔ.

 

إضافة إلي تهميش الأساتذة والمعلمين وإقصاء الدولة لهم واستغنائها عنهم بمن لا يرقون إلى مستوياتهم العلمية، ولا خبراتهم التربوية، بل أحيانا يستغني عنهم في أمس الأوقات حاجة إليهم "كتصحيح الامتحانات الوطنية" ويتم إبدالهم بالمتقاعدين من قطاعهم بما في ذالك أهل الأمراض العقلية، لا لشيء غير أنهم يرفضون السمسرة والتحايل عليهم.

 

إﻧﻨﺎ ﻟﻜﻲ ﻧﺒﻨﻲ ﻟﻠﻮﻃﻦ أﺟﻴﺎلا راقية، ﻋﻠﻴﻨﺎ إﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻈﺮ في كل ﻣﺎ ﺣﺪﺙ من فشل للتعليم، وتذيل لموريتانيا في الترتيب العالمي، ﻭﻋﻠﻰ ﻛﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﺴﺆﻟﻴﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ إﺣﺪﺍﺙ ﺛﻮﺭﺓ حقيقية، ﻻ إﺟﺮﺍﺀﺍﺕ إﺻﻼﺣﻴﺔ، تبدأ ﻣﻦ ﺭﻳﺎﺽ ﺍلأطﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍلاﺑﺘﺪﺍئي حتى العالي والجامعي وبالعلم والمعرفة سنبني موريتانيا.