زكاة الفطر: طهرة وبلغة!

سبت, 2017-06-24 23:07
أ.الحسن ولد مولاي اعلي

في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، من كل عام، يتجدد الجدل من فوق منابر المساجد، وفي القنوات السمعية البصرية، وعلى صفحات الواقع الافتراضي؛ ويدور هذا الجدل حول زكاة الفطر من رمضان؛ ماهيتها، مواقيتها، قيمتها، مصارفها، مقاصدها وحكمة مشروعيتها.

 

وفيما تتسع دائرة الجدل، بإسقاط فتاوى التراث التاريخي على الواقع، وبتكرار مقولات المتقدمين من أئمة ومفتين وتابعين مقلدين، نثرا ونظما، يستمر تغييب التحولات والضرورات والحاجات المتجددة للناس، عن صناعة الفتوى المعاصرة، ليظل المعول على فتاوى المجتمعات المنقرضة.

 

وبعيدا عن الاستئسار لفتاوى الأولين، وآليات المتقدمين، ومحفوظات المقلدين، من مختلف أطراف الجدل الدائر، نقدم هنا رأيا في الموضوع، ننطلق فيه من جملة من الحقائق، في مقدمتها حقيقة أن الزكاة فريضة مالية، وشأن اقتصادي مرن لا يرتبط بصورة أو حالة تاريخية، بل يخضع للمتغيرات والتحولات التي لا تعرف الاستقرار، فلا معنى فيه للفتاوى التاريخية، ولا قوة إلزام، لها بشأنه.

 

إن زكاة الفطر من رمضان، فريضة إسلامية، لا مندوحة عنها، ولا خلاف في وجوبها، فقد فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، وتناقلتها الأجيال عنه، في متواترات العزائم (نقل الكافة عن الكافة)؛ وإلى هنا لا إشكال! وهي واجبة على، أو عن، كل نفس من المسلمين؛ ولا إشكال في هذا أيضا! وهي طُهْرة للصائمين من اللغو والرفث، وبُلْغَة للفقراء والمساكين، من الحاجة وذل السؤال؛ والإشكال في هذا نسبي؛ أما قدرها وحدها فصاع من تمر أو صاع من شعير؛ وهنا الإشكال الدائم المتجدد!!

 

دعونا نعود إلى ملابسات فرض هذه العبادة المالية، يوم كان النبي(َص) يستبدل لبنات المجتمع الجاهلي، بقواعد المجتمع الإسلامي الجديد، طبقا لقيم الرسالة، وبتأطير من وحي الله، وفي انسجام كامل مع سننه القدرية والتكليفية... يومها كانت الأسواق  بدائية تقليدية، تعتمد في تبادلاتها على المقايضة، ومن النادر فيها أن يدخل الذهب أو الفضة في صفقة ما، ما لم تكن بين كبار المرابين، وأغلبهم من يهود وقريش، فهم وحدهم من كانوا يملكون أموالا نقدية؛ أما لدى عموم الناس، فإن الأطعمة بمختلف أشكالها، والحيوانات بكل أنواعها، كانت هي العملات الحصرية التي تدفع بها كل الأثمان، وتقوّم بها كل المتلفات.

 

سوق يثرب، التي تقع على طريق مكة-الشام، عرف منذ أن صارت عاصمة للرسالة الإسلامية، طفرة ووفرة كبيرة، فبالإضافة إلى الخبرات والكفاءات العالية التي هاجرت إلى المدينة من مختلف مناطق الجزيرة العربية، حملت إليها القوافل منتجات وبضائع الشمال والجنوب، وإن ظل أغلب المعروض فيها هو إنتاج المدينة وما حولها، من ثمار وحيوانات، وأغلبه كان تمرا وشعيرا؛ فكان هذان المنتجان- تحديدا رأسمال أهل المدينة، وعملتهم الرائجة؛ فبهما أو بأحدهما تدفع كل الأثمان، وتقوم كل المقومات، وتدفع المهور والديات؛ ومن هنا يتضح تحديد الصنفين، دون غيرهما، لإخراج زكاة الفطر من أحدهما.

 

الصحابة والتابعون، الذين تبايعوا في أسواق المدينة، لم يثر التحديد إشكالا لديهم، على الإطلاق، فشكروا رحمة التشريع في عدم إلزام الناس بما لا يملكون، في هذه العبادة المالية، واستوعبوا اعتبار أهم سلعتين للمقايضة لديهم، عملة للشراء والبيع، ولو لم يكن الأمر كذلك لما حرم النبي (ص) فيهما، وما في معناهما، ربا الفضل والنسيئة معا، كما حرمه في الذهب والفضة. لما جاء معاوية، وقد جلبت الحنطة الحمراء إلى الأسواق الحجازية لأول مرة، اقترح أن يقوم نصف صاع منها بصاع من غيرها، لأن وظيفة الجميع في السوق هي الثمنية، وقد كان ثمنها أرفع كثيرا.

 

الأئمة وكبار العلماء الذين اتبعهم الناس وقلدوهم في فتاواهم، اختلفوا – طبقا لأصول كل منهم- في تحديد علة إجراء الأحكام على الأطعمة، بين الكيل والزن والطعمية والقوت والادخار، لكنهم اتفقوا على مراعاة كونها جميعا طعاما يجري تداوله في أسواق المقايضة، باعتباره ثمنا؛ فسحبوا علة التمر والشعير، على كل مطعوم اتخذه الناس جل عيشهم، ومعنى اتخاذه جل عيش الناس، أن يكون أكثر ما يباع ويشترى في أسواقهم.

 

الأسواق البدائية استمرت طوال التاريخ، معتمدة على المبادلة والمقايضة، بلا ذهب أو فضة، بل ما يزال بعض الأسواق الأسبوعية والموسمية، تمد الناس عبر الحدود الإفريقية المختلفة، ومنها حدودنا مع مالي، وبعض مناطق السنغال، يتقايضون ويستبدون البضائع، عينا بعين، بعيدا عن النقود؛ لكن العالم في عصوره الأخيرة، استطاع أن يحل إشكالية العين النقدية، بالسندات التي آلت فيما بعد إلى العملات الورقية التي باتت اليوم وسيلة مواطن العالم الحديث للحصول على حاجته ومبتغاه، من أي منتج أو سلعة؛ فبأي حق نفرض على إنسان القرن الخامس عشر الهجري، وباسم الدين، أن ينخلع من مفردات الواقع الذي يعيشه، ويعود أدراجه، ليقدم إلى الفقير في عبادته المالية، ما كان يقدمه أهل تلك الأزمان المتقادمة؟ إذا جاز ذلك، وهو لن يجوز، فلتكن زكاته تمرا وشعيرا، حصرا!

 

دعونا نقف وقفة تأمل عند حكمة تشريع زكاة الفطر، المنصوص عليها في الأحاديث المؤسسة لهذه الفريضة؛ وهي للتذكير"بلغة للفقير والمسكين" وفي نص آخر"أغنوهم عن ذل السؤال في هذا اليوم"، فمن ذلك الغبي الذي يحاول إغناء هذا الفقير ذا العيال يوم العيد، بحفنة من حب؟ إن ورقة ألف أوقية تدس في يد هذا الفقير، أو تلك المسكينة، هي الأقرب إلى إغنائه عن ذل السؤال، وتلبية حاجاته وحاجات عياله، يوم العيد، فقابلية تحويلها فورا إلى أي بضاعة مرغوبة، لا يدانيها فيها أي شيء.

 

أخيرا، نقف عند مصرف هذه الزكاة، وكل زكاة؛ فقد بين الله المصارف وفصلها تفصيلا، ولم نجد من بينها أوصاف القريب، ولا العالم، ولا الصالح، ولا الشريف، ولا غير ذلك مما يتمايز به الناس، إنما الزكاة حق بيننا اليوم لمن تتحقق فيه إحدى صفات الفقير، والمسكين، والأسير، والمدين، وابن السبيل؛ وذلك بغض النظر عن ألوانهم وأنسابهم وأحسابهم وقبائلهم، أما بقية المصارف فهي متعلقة بالسلطة، لا بالأفراد.

 

أخي المسلم، إن الله أنزل كتابه، وأرسل رسوله، ليكون الوحي السماوي غير المقيد بأوضاع وأوضار الأرض، مرجعا لمن آمن بالرسالة الإسلامية إلى قيام الساعة؛ ومعنى أن الوحي السماوي صالح لكل زمان ومكان، هو صلاحيته للتنزيل على الواقع المتغير للإنسان، في كل زمان ومكان؛ أما فتاوى الأولين ونوازلهم ومصائبهم، فكلها رهن بالحال والزمان والمكان الذي نتجت فيه، وليس لأي منها قوة إلزام، عقلا أو شرعا، لمن هو خارج ذلك الزمان وذلك المكان.

 

تقبل الله الصيام والقيام والزكاة، وكل عام وأنتم بخير!