التعليم يحتضر

أربعاء, 2017-05-24 17:23
إسلمو أحمد سالم - أستاذ

خلال دراسة قمت بها لنتائج مسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية في مقاطعة مقطع الأحجار للسنة الدراسية 2015، وجدت أرقاما مخيفة، تعكس مدى الإهمال والفوضوية في قطاع التعليم.

وجدت أن نسبة النجاح في مدينة مقطع الأحجار وصلت 93% نتيجة تركز المدارس الحرة ونسبة الوعي والإنفاق على التعليم، بينما وصلت 67% في البلدية المركزية، وانخفضت إلى نسبة 49% في المقاطعة. وعند تمييز الحضر على التجمعات القروية تنخفض النسبة بشكل لافت، بينما تكون ضعيفة جدا عند حسابها في تجمعات (آدوابه) والتي تنحصر نتائجها تحت الـ100 نقطة المحددة لنصف النقاط.

تقوم المديريات الجهوية للتهذيب والمفتشيات بتوزيع فوضوي للمدرسين، إذ تحتفظ المدن بالمدرسين الأكفاء ويكون نصيب القرى من العقدويين، والمعلمين المعربين المشجعين بالعلاوات الإضافية كالازدواجية والإدارة والتجميع، والنتيجة جيل جاهل من الطبقة الهشة، مما يزيد الشرخ في نسيج المجتمع الواحد بالإبقاء على الجهل والغبن ونقص الخدمات التعليمية، وكان من المفروض تطبيق التمييز الإيجابي هنا حتى نحد من الفوارق.

التعليم هو أداة تثقيف وتكوين لكنه أيضا هو أداة بناء وحدة وطنية ببناء جيل واحد، موحد الثقافة ويشعر بالمساواة وتساوي الفرص المتاحة في التكوين والعمل.

تعشش في وزارة التهذيب الوطني بؤر فساد تقاوم كل وافد، وتتخلى الوزارة عن كفاءاتها تحت ضغط المحسوبية، بتعيينهم أو تفريغهم ويبقى في الميدان الجيل الأقل وطنية والذي دفعته الحالة المادية إلى المهنة، لا رغبة فيها وإنما لأن أبواب العمل موصودة، ويكون التوظيف بالنسبة لهم فتح باب لدخول معترك الحياة، ولأن الراتب لا يغني من جوع، يسعى هؤلاء إلى خلق فرص للدخل موازية، ينشغل بها حتما عن الإبداع والتفرغ للتدريس..

من أغرب ما يجري في الوزارة هو طريقة التحويلات، التي أصبحت تحاكي تحويل الرصيد، إذ يتم حذف المدرس من هنا ويسجل هناك ويتم تغيير وضعيته على المستوى المركزي، و يكون ذاك بمباركة كل المشرفين..

لا زالت الباكلوريا أكثر الشهادات مصداقية، رغم فوضوية التصحيح والتسريب الناعم للمواضيع الذي تستفيد منه بعض المدارس الحرة ذات الصلة بالمشرفين على طرح الامتحان سنويا، وأما الشهادة الإعدادية فحدث ولا حرج، فلا تستغرب أن تقدم لائحة الناجحين في المؤسسة بالمقلوب، عكس توقعاتك، لأن الفوضى العارمة تجتاح كل شيء، ناهيك عن طريقة اختيار المشرفين والمصححين وعامل الوقت الذي يضايق كل الموريتانيين رغم الفراغ، لأنه لا أحد يعرف الإتقان، فالمهم ألا تحدث ضجة ويمر الأمر بسلام.

وإذا قدر لك أن تزور مواقع تصحيح مسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية فالحيرة ستتملكك وأنت تجد مدرسين لا يكادون يفقهون قولا وآخرون لا ينظرون في الأوراق وإدارات منشغلة في كيفية استخدام المقص لميزانية التسيير.

وهناك أمر لم أرد أن أقوله لكنه في الصميم، وقد حدثني فيه غير واحد، وهو أن سكان الجنوب مفرنسون في أغلبهم وسكان الشمال معربون في أغلبهم، وبالتالي فإن جودة الكتابة للفرنسية مؤشر بأن التلميذ من الجنوب والعكس بالعكس، وجودة الكتابة باللغة العربية مؤشر أن التلميذ من الشمال، وتحدث، بطريقة لا يمكن تفسيرها، تجاوزات كبيرة في حق التلاميذ.

عندما يكون هدف وزارة التهذيب هو تسيير الوقت والاهتمام بميزانيات التسيير، وتغيب الرقابة ويختفي التفتيش ويختفي التكوين المستمر، و يكون المعلم، الغائب الحاضر، هو المباشر لكل شيء فاعلم أن التعليم سيتحول إلى أداة تشتيت للشعب، إذ سيتعلم الأغنياء بأموالهم ويتحول الآخرون إلى أدوات مؤهلة للجريمة، مشحونة بالإحساس بالغبن والتهميش.