تقديم عمل فائز بجائزة شنقيط للآداب والفنون 2016

أحد, 2016-12-25 09:12

تــقــديــم كتاب:

تاريخ اكتشاف و غزو غينيا

لمؤلفه البرتغالي غوميس أيانيس دي آزورار

ترجمة و تحقيق د. أحمد ولد المصطف

( العمل الفائز بجائزة شنقيط للآداب و الفنون لسنة 2016 )

 

 السيد معالي الوزير الأول،

السادة الوزراء،

السادة السفراء،

السادة رئيس و أمين عام و أعضاء مجلس جائزة شنقيط،

السادة العلماء و الباحثين،

السادة المدعوين الكرام،

أيها السادة و السيدات،

في البداية لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد عبد العزيز، و ذلك لاهتمامه بالبحث الجاد في مختلف المجالات العلمية عبر رعايته المباشرة لجائزة شنقيط علاوة و عنايته بالهيئات البحثية الأخرى على المستوى الوطني، كما أتوجه بجزيل الشكر لمجلس جائزة شنقيط للثقة التي وضعها في عملنا المتواضع و الذي آمل أن يكون أهلا للمكانة العلمية الرفيعة التي هي مظنة الأبحاث الفائزة بهذا التقدير الوطني العلمي المتميز.

تقديم العمل

   تعتبر كتابة تاريخ أي أمة الخطوة الأهم على طريق الفهم الصحيح لملامح هويتها الثقافية و الحضارية التي تشكلت على مر الزمن و السجل الذي عبره تعرف الأجيال اللاحقة ماضيها بكل انتصاراته و انكساراته على سبيل إقامة الدولة الوطنية التي تحفظ للجميع الأمن و السلم و العدل و تتحقق فيها المساواة بين المواطنين أمام القانون. و كما هو معلوم فإن مصادر التاريخ متعددة، منها ما كتبه مؤرخون أو إخباريون وطنيون و منها ما دونه مؤلفون أجانب اهتموا بهذا التاريخ لأسباب متعددة.

في هذا الإطار يكتسي كتاب المؤرخ البرتغالي الكبيرغوميس أيانيس دي آزورارا (حوالي 1400 ـ 1474 ): تاريخ اكتشاف و غزو غينيا أهمية بالغة، لكونه  أهم أثر مكتوب عثر عليه حتى الآن عن بداية الحملات البرتغالية ضد شواطئ غرب إفريقيا، و بشكل خاص على سكان الساحل الموريتاني الحالي و ذلك من 1441 إلى  1448.

المسار التاريخي للكتاب منذ تأليفه و حتى طبعته الأولى في باريس سنة 1841

بعد أن انتهى آزورارا من تأليف هذا العمل في 18 فبراير سنة 1453 ، دخل الكتاب في غياهب النسيان حتى عثر عليه الباحث فرديناند دينيس سنة  1837 في المكتبة الوطنية في باريس و كشف عن ذلك في مؤلف قدمه سنة 1839 بعنوان:

Chroniques chevaleresques de l’Espagne et du Portugal  

إثر هذا الاكتشاف، أسند العرش البرتغالي مهمة طلب تسلم الكتاب من الحكومة الفرنسية للسفير البرتغالي في باريس دو فيسكونده دا كاريرا الذي أشرف بنفسه على طباعة هذا العمل في باريس سنة 1841 باعتباره مجدا وطنيا للأمة البرتغالية.

   عثوري على الكتاب

لقد عثرت في شهر أغسطس سنة 2014 ،عبر موقع غوتنبرغ للكتاب الإلكتروني، على ترجمة إنجليزية في مجلدين لهذا الكتاب، قام بها كل من Charles Raymond Beazley، الباحث في معهد ميرتون بأوكسفورد و أستاذ التاريخ بجامعة بيرمينغهام من 1909 إلى 1933،  و Edgar  Prestage  أستاذ اللغة البرتغالية فيKing’s College  بلندن ما بين 1923 و 1936، حيث قامت مؤسسة هاكلويت سسايتي Hakluyt Society بطباعة المجلد الأول من هذا العمل سنة 1896 في نيويورك، فيما نشرت المجلد الثاني سنة 1899 في نفس المدينة و أهدت هذا العمل لملك البرتغال في تلك الفترة كارلوس الأول.

 

  بعد ذلك بوقت وجيز تمكنت من الحصول على النسخة الأصلية من طبعة باريس المذكورة أعلاه. بعد اطلاعي على الترجمة الإنجليزية، اعتبرت حينها هذا العمل  "كنزا تاريخيا" لتناوله بالتفصيل ما قام به البرتغاليون من هجمات على سكان سواحلنا مابين رأس نواذيبو (الرأس الأبيض) و نهر صنهاجة (نهر السنغال) من سنة 1441 و حتى 1448.

 

  اختيار ترجمة الكتاب

 

لقد حرصت على أن يقدم الكتاب مترجما إلى العربية، أي كما هو بحسب ما تصوره مؤلفه الأصلي، بدل تقديم المعلومات التي تضمنها في عمل جديد، و ذلك للاعتبارين التاليين:

 

1 / أن ترجمة الكتاب ستقدم صورة مطابقة لنظرة البرتغاليين في تلك الفترة للشعوب المستهدفة في هذه الحملات و بالأخص سكان شواطئنا، مما يسمح بتقديم رؤيتهم لما وقع بشكل أكثر أمانة، فالكاتب كان ينظر إلى هذه الأحداث على أنها "بطولات" و أعمال خارقة قام بها هنريك الملاح و معاونوه و جنوده لصالح الدولة البرتغالية و الكنيسة الكاثوليكية، وهو ما يسمح بفهمها بشكل موضوعي في سياقاتها التاريخية الجيوـ سياسية و الثقافية ـ الاقتصادية من قبل الباحثين و المهتمين بتاريخ تلك الحقبة؛

 

2 /  توضح هذه الترجمة طبيعة الدوافع الفعلية للبرتغاليين التي أملت عليهم تسيير هذه الحملات إلى مناطق نائية بمقاييس تلك الفترة و ما حشدوه من طاقات لتحقيق هذا المشروع و كذا ضحايا هذا المشروع الصليبي التوسعي، إضافة إلى العنف غير المسبوق الذي مورس على سكان المناطق التي طالها هذا الغزو و ما سقط جراء ذلك من ضحايا.

 

بعد أن اتضحت لي وجاهة ترجمة هذا العمل، فكرت في البداية في تأسيس فريق من الباحثين من مختلف التخصصات للقيام بهذه المهمة، على غرار ما تم في الترجمة الإنجليزية، إلا أن انتظار توفر مثل هذا الإطار كان سيأخذ وقتا طويلا، لذا قررت البدء في هذا المشروع تفاديا لتضييع المزيد من الوقت. بعد الانتهاء من الترجمة وعند ما كنت أضع اللمسات الأخيرة على هذا العمل، عثرت على نسخة مترجمة إلى الفرنسية من هذا المؤلف قام بها Léon Bourdon، أستاذ الدراسات البرتغالية بجامعة السوربون من 1953 و حتى سنة 1969  و آخرون، من بينهم الباحث الكبير تيودور مونو ساهمت، من بين أمور أخرى، في تحديث تسمية بعض الأماكن الجغرافية التي ظهرت في النسخة الأصلية أو في ترجمتها إلى الإنجليزية.

في هذا الإطار، لا يسعني إلا أن أكرر ما ذكرته في مقدمة هذا الكتاب من شكر للزملاء الدكاترة: يحي ولد البراء و محمد ولد بوعليبه و محمد الحسن ولد محمد المصطفى من كلية الآداب و العلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط العصرية على ما قاموا به من مراجعة لهذا العمل و كذا لسفير الثقافة الموريتانية و الأستاذ الكبير محمد لمين ولد الكتاب على ملاحظاته الهامة قبل نشر الكتاب و  ما قام به من مجهود للتعريف بهذا العمل سواء في داخل البلد أو خارجه،  كما أجدد الشكر للدكتور فرانسيسكو فريري من جامعة لشبونة على ما قدم لي من إرشادات بخصوص كتابة بعض الأسماء البرتغالية الواردة في هذا المؤلف.

 

أهمية الكتاب

يتناول الكتاب في فصوله الأحد عشر الأولى حياة منظر حركة التوسع البرتغالي ابتداء من الربع الأول من القرن الخامس عشر الميلادي، هنري الملاح أو (هنريك)، إضافة إلى محاولات القباطنة و البحارة البرتغاليين تجاوز رأس بوجدور و ما لاقوا من صعوبات متعددة إلى أن تحقق هذا الهدف. و ابتداء من الفصل الثاني و عشر و حتى الفصل السادس و التسعين يتناول المؤلف كيف تمت الاتصالات الأولى بين الوافدين الجدد مع ساكنة صحراء الملثمين حتى تطورت إلى حرب صليبية مرخصة من قبل البابا يوجنيوس  الرابع عبر القرار البابوي الموسوم: (Illius qui se pro divini ) الصادر في مدينة فلورنسا بإيطاليا بتاريخ 19 ديسمبر 1442، كان ضحاياها من السبايا من سكان شواطئنا الحالية أزيد من ستمائة شخص من نساء و أطفال و شيوخ، حيث تم بيعهم في المدن البرتغالية كعبيد، إضافة إلى القتلى و الجرحى و المنكوبين الذين يمكن أن يكون عددهم بالآلاف، و ذلك على مدى سبع سنوات فقط. لقد ذكر المؤلف تفاصيل هذه الغارات بدقة كبيرة و صلت إلى حد تقديم صورة حية لها مع توضيح أماكن وجودها و عدد السبايا من الجنسين، مع تواريخها الدقيقة في بعض الأحيان، و ما أبداه سكان شواطئنا من مقاومة في وجه الغزاة تجسدت في بعض الأحيان في قتل قادة برتغاليين كبار مع بعض جنودهم و الاستيلاء على معداتهم، رغم تواضع تسليحهم و عدم وجود غطاء نباتي أو تضاريس تمكنهم من الاحتماء و كذلك انعدام سلطة مركزية تنظم و تؤطر هذه المقاومة. 

إضافة إلى هذه الأحداث، قدم المؤلف وصفا لظروف حياة سكان صحراء الملثمين في تلك الفترة من حيث المناخ و العادات و التقاليد و اللغات و أنماط العيش و طرق الاهتداء نهارا و ليلا و أنواع الحيوانات التي تعيش في هذه الصحراء في تلك الحقبة، معتمدا في ذلك على رواية أول مستكشف أوروبي هو البرتغالي جوآو فرنانديس الذي أقام فترة سبعة أشهر بين منطقة حوض آرغين و تيرس، مستفيدا من كتاب ألفه برتغالي متقدم على آزورارا هو أفونسو سرفيرا حول الحملات البرتغالية على شواطئ غرب إفريقيا و الذي ضاع.

 لقد أطلق البرتغاليون على سكان بلدنا تسميات عديدة كأزناڭة و العرب و الموروس (البيظان) كما ترجمنا هذه التسمية، التي أصبح الأوربيون يطلقونها على السواد الأعظم من ساكنة هذه البلاد.

كذلك فإن الكتاب يذكر في العديد من فصوله اتصالات البرتغاليين مع بعض ساكنة الصحراء الغربية و دول إفريقيا الغربية (السنغال، غامبيا، جزر الرأس الأخضر، غينيا، سيراليون، إلخ...) و جزر الكناري و ما قاموا به من عمليات اختطاف لبعض ساكنة هذه البلدان و جلبهم كسبايا إلى البرتغال. 

يعتبر هذا الكتاب صفحة هامة و مؤلمة من تاريخ الإنسانية تشكل الأحداث الدرامية التي تسبب فيها البرتغاليون للقضاء على ساكنة شواطئنا بالقتل و السبي الجماعيين جوهرها. و مع أن الكتاب طبع في نسخته البرتغالية سنة 1841 و تمت ترجمته الكاملة إلى الإنجليزية سنة 1899 كما ترجم إلى الفرنسية سنة 1960 كما تقدم، إلا أنه مع ذلك ظل حلقة شبه مفقودة من تاريخنا و لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه من قبل الباحثين و المهتمين بالتاريخ الوطني.

كذلك فإن الأحداث التي وردت في هذا الكتاب، و ضد سكان بلدنا بشكل خاص، لم تكن في الحقيقة إلا "الشجرة التي تخفي الغابة"، ذلك أنها تواصلت طيلة قرابة قرنين من الزمن من 1441 إلى 1634 تاريخ جلاء المستعمر البرتغالي عن شواطئنا، و كانت حصيلتها من السبايا و القتلى عشرات الآلاف، وفق ما تناولته الدراسات و الإحصائيات التي نشرها باحثون جديرون بالثقة.

من هنا يتعين تعميق البحث في هذه الحقبة من تاريخنا و في غيرها من الحقب التي لم تسوف قسطها من البحث لتسليط الضوء عليها و نفض الغبار عنها، بما يخدم تشكيل وعي علمي بماضينا و تشكل هويتنا الحضارية على مر العصور و ما اعترض ذلك من تحديات و عقبات. كما أنه أصبح من الضروري، على ضوء هذه الأحداث الموثقة، تدريس هذه المرحلة من تاريخنا في المقررات الدراسية في كافة مستويات منظومتنا التعليمية و إيلائها الاهتمام الذي تستحق، بعد أن كادت تندثر.

أخيرا فإن كتاب غوميس أيانيس دي آزوارار، تاريخ اكتشاف و غزو غيينا، هو وثيقة رسمية ألفها كبير المؤرخين المساعد لدى العرش البرتغالي و بأمر من ملك البرتغال في تلك الفترة أفونسو الخامس الذي حكم البرتغال ما بين 1448 إلى 1481، و ذلك لتخليد مآثر عمه هنري الملاح و توسع بلده فيما أصبح يعرف بقرن البرتغال (أي القرن الخامس عشر)، حيث تم تعيينه مديرا للأرشيف الملكي البرتغالي بعد انتهائه من هذا العمل  و حتى وفاته حوالي 1474.

 إن مضمون هذا الكتاب و ما اشتمل عليه من أحداث خطيرة كان هدفها القضاء على ساكنة شواطئنا لهو اعتراف صريح من السلطات البرتغالية في تلك الفترة بمسؤوليتها عن تدمير حضارة بحرية هامة كانت موجودة على سواحلنا بدافع التعصب الديني الأعمى و الرغبة الجامحة في إخضاع الشعوب و لو باستئصالها. و تأسيسا على ذلك و بما أن هذا الكتاب لا يزال ينظر إليه في البرتغال على أنه "مفخرة و مجد" و يطبع أحيانا على نفقة الدولة البرتغالية، فإن هذه الأخيرة مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى تقديم الاعتذار عن مسؤوليتها التاريخية و الأخلاقية و القانونية عما حدث في حق سكان بلدنا إبان الاستعمار البرتغالي لشواطئنا، مع جبر كافة الأضرار المترتبة على ذلك.

أخيرا و على ضوء ما ورد في هذا الكتاب و في أبحاث أخرى، أرى أنه من المناسب تحديد تاريخ نتذكر فيه ضحايا هذا الاستعمار و أقترح أن يكون إما تاريخ 19 ديسمبر الذي يوافق تاريخ إصدار الأمر البابوي بتشريع الحرب على سكان بلدنا يوم 19 ديسمبر 1442  أو يوم 8 أغسطس الذي يصادف تاريخ تقسيم أزيد من 235 من سكان شواطئنا تم اختطافهم و بيعهم كعبيد من طرف البرتغاليين في مدينة لاغوس و بعض المدن البرتغالية الأخرى و ذلك يوم 8 أغسطس سنة 1444.

كما أنه آن الأوان أن تقوم الجهات المختصة بالإجراءات الضرورية لدى منظمة اليونسكو ليصبح حوض آرغين، الذي كان منطقة تمركز البرتغاليين في تلك الفترة و مسرحا لغاراتهم على سكان شواطئنا، موقعا تراثيا ثقافيا للإنسانية، إضافة إلى صفته الحالية التي تنحصر في تصنيفه كموقع تراثي طبيعي.

 

أشكركم و السلام عليكم و رحمة الله