تذكروا فيروز كي لا تنطفئ!
فوق نيران القش التي تتشنج فيها الحضارات
وراء اختلاط اللغات والأخلاق
أنا أبصر الإنسان، أبصر ما يستمر منه صامدا
لايتزحزح في قلب الإعصار.
لقد تملص من إمرة الممكنات في الزمان والمكان
فهو في الواقع محور هذا الإعصار بالذات
إنه الوسيط الذي لا وسيط إلاه
(آندريه بريتون/ قيمة الإنسان)
في لحظة حيرة، وترقب جنوني، اكتشف العالم أن أبناء منصور الرحباني شقيق بعلها الراحل، والدولة اللبنانية قد قررا "الحجز" على صوت فيروز صباي الناعمة، ومراهقتي المشاغبة، ونضجي الثقيل؛ فيروز حياتي المتلاحقة بانسياب بسمة والدتي وهي تقبلني في الصباح على نغم " حبيتك تا نسيت النوم..."!
نقلت الصحافة العالمية والإذاعة اللبنانية، أن فيروز ستخلد إلى الصمت لأن أبناء منصور الرحباني "بدهم فلوس؛ من غير إبداع".
بذاكرتي علقت نصف أسماء شوارع العواصم العربية، وساحات تلك الغربية ومراقص الآسيوية، وجغرافيا الإلهام والمتعة لأني كنت قد لعقت صوت فيروز حتى آخر نغم، بتلك الأماكن التي أصبحت مقدسة!
آمنت بعلمانية العرب، لأن فيروز غنت لكل المؤمنين بمصير العرب: غنت لي، لعمر، لهند، لمريم، لميساء، هاجر، مجم، غنت للعالم من بعد كل العرب!
كنت قد شاركت في برنامج لتلفزيون المستقبل اللبناني، فأطلت فيروز وصوتها، فالسحر.. تمرغت ذائقتي في "طمزة" الطرب...
خاطبتني "الست" قائلة: "في بلدك يقدرون النساء ويعشقون الشعر..."! ربما كنا كذلك قبل أن يهتدي الملتحي إلى طريق سوق العاصمة ومنطق المضاربات؛ لقد أصبحنا شيئا آخر قد لا يروق للست وصوتها قد "حجز" عليه أبناء أخ عاصيها!
أعشق حزن فيروز، وتخت الروح الذي منحت بسخاء نافخة في ناي جبران السرمدي، لحظات بعد أن جاورت القمر؛ الذي أصبحت في سماء الطرب.
اكتشفت فيروز في قيلولة ضواحي أبي تلميت، ولم يعلق بي منها غير الرهبة التي أخافت المراهق الذي كنت، بعد أن اطمأنت روحي الشاردة!
أصبحت فيروز فيما بعد لحن صباحي ونغم إبداعي ونافورة وحدتي وبريد شوقي وزقزقة حب تلك التي أسدت سهم العشق لقلبي ومضت...
في العالم العربي، يشنق الإبداع كل يوم، لأن ذائقته أدمنت طعم البارود البارد، ولأنه امتهن البغاء منذ منح "دراويشه" المشبعين بالبلادة حق التصرف في أوقات إقلاع الحمام الراكض خلف مواطن الحبور!
لن أقذعه أكثر من ركضه خلف "بدعة" اختفاء فيروز وهي حية بصوتها الذي مازال ملائكيا، ورغبتها الموغلة في الحياة.
قررت النخبة العربية، وعشاق فيروز التظاهر يوم الاثنين في كل العواصم العربية رفضا لوأد عبقرية أمة بأكملها، إرضاء لطمع شلة لم تتقن يوما غير مغالطة التاريخ بانتمائها لأسرة "الأخوين الرحباني" الخالدة! للنخبة الموريتانية، ولعشاق فيروز، تذكروها فجر الاثنين، ولا تتوقفوا عن الاستماع إليها بقية اليوم.
عبد الله ولد حرمة الله
|
تاريخ الإضافة: 22-07-2010 15:53:04 |
القراءة رقم : 569 |